أفكار وآراء

من سيدفع ثمن بقاء الصحافة؟

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عندما كنا ندرس الصحافة في جامعة القاهرة، كان أستاذنا الراحل الدكتور صليب بطرس يحدثنا، في مقرر إدارة المؤسسات الصحفية، ويقول لنا إن حياة الصحيفة مرتبطة بضمان مصادر تمويلها الأساسية الثلاثة: التوزيع والاشتراكات والإعلان.

وكان يضيف إليها، من واقع تجربة الصحافة المصرية على وجه الخصوص والصحافة العربية بوجه عام، التمويل الحكومي المباشر وغير المباشر، فضلًا عن الأنشطة غير الصحفية التي كانت تمارسها المؤسسات الكبرى، وفي مقدمتها خدمات الطباعة التي توفرها المطابع المملوكة لها.

كان النموذج الاقتصادي للصحافة يومها يبدو واضحًا ومستقرًا؛ تصنع الصحيفة محتواها، وتبيع نسخها للقراء والمشتركين، وتجذب بأعداد توزيعها، التي كانت تتجاوز مليون نسخة أحيانًا، المعلنين. وكانت بعض المؤسسات الصحفية الكبيرة تصدر أكثر من صحيفة يومية ومجلات أسبوعية متنوعة، وكانت مساحات إعلانية فيها تُحجز مقدمًا لأشهر، وربما لسنوات.

لم نكن، ونحن نحلل مصادر تمويل الصحافة، نتخيل أن أربعة عقود من الزمن ستكون كافية لتغيير معظم ما تعلمناه عن اقتصادياتها.

خلال هذه الفترة، تراجعت عائدات التوزيع والاشتراكات الورقية، وانتقل جانب متزايد من الجمهور إلى الفضاء الرقمي، وفقدت الصحف قسمًا كبيرًا من عائداتها الإعلانية بعدما استحوذت المنصات الرقمية ومحركات البحث على النصيب الأكبر من سوق الإعلان، بينما تحولت المطابع، التي كانت مصدرًا إضافيًا للدخل، إلى عبء على كثير من المؤسسات مع التحول الرقمي وتراجع المطبوعات الورقية.

كثيرًا ما أسأل نفسي وأنا أرى أوضاع الصحافة الآن: لو عاد أستاذي الراحل اليوم إلى قاعة المحاضرات، فماذا كان سيقول لطلابه عن اقتصاديات الصحافة؟ وما المصادر التي كان سيركز عليها بدلًا من تلك التي تعلمناها قبل أكثر من أربعين عامًا؟ وهل بقي للصحافة في البيئة الرقمية نموذج اقتصادي قادر على تمويل إنتاجها وضمان استمرارها؟

كلما حاولت الإجابة عن هذه الأسئلة، أجد أن المشكلة اليوم أعمق من مجرد البحث عن بدائل للتوزيع الورقي والإعلان، أو التعويل على الاشتراكات الرقمية.

فالسؤال وصل إلى المحتوى الصحفي نفسه: من يملكه، ومن يستفيد منه، ومن ينبغي أن يدفع مقابل استخدامه؟ وإذا كانت المنصات الرقمية قد أخذت جانبًا كبيرًا من عائدات الإعلان، فإن الذكاء الاصطناعي يفتح الآن جبهة جديدة في أزمة تمويل الصحافة، بعدما أصبح بإمكان شركات التكنولوجيا استخدام ما تنتجه الصحف من أخبار ومعلومات وتقارير وتحليلات، وتقديم خلاصتها إلى المستخدم دون أن يضطر إلى زيارة موقع الصحيفة التي تحملت تكلفة إنتاجها.

لم أكن بحاجة إلى البحث بعيدًا عن دليل على ذلك. ففي الحادي عشر من أغسطس الجاري، نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية تقريرًا موسعًا بعنوان «لماذا يُحدث الذكاء الاصطناعي زلزالًا جديدًا في وسائل الإعلام التي أضعفتها عشرون عامًا من التحولات الرقمية».

وتوقفت عند دراسة لمركز بيو للأبحاث أوردها التقرير، وجدت أن المستخدمين ينقرون على نتائج البحث التقليدية في 8% فقط من الزيارات عند ظهور ملخصات مولدة بالذكاء الاصطناعي، مقابل 15% في غياب هذه الملخصات، والأكثر دلالة أن النقر على الروابط الموجودة داخل الملخص نفسه لا يتجاوز 1%. ومعنى ذلك ببساطة أن الصحف، بعد أن فقدت جانبًا من الإعلان، قد تفقد الآن جانبًا من الزيارات التي كانت محركات البحث تقودها إلى مواقعها.

في اليوم نفسه، انتقل هذا القلق إلى ساحة المواجهة، عندما أحال تحالف الصحافة الإخبارية العامة في فرنسا، الذي يمثل نحو 300 صحيفة ومطبوعة، إلى هيئة المنافسة الفرنسية ملف خدمات الذكاء الاصطناعي الجديدة التي تقدمها «جوجل». ويرى التحالف أن الشركة تستخدم محتوى الصحف في خدماتها الجديدة دون تفاوض مسبق مع الناشرين على ترخيص وتعويض خاص بهذا الاستخدام.

ويرى التحالف أن الشركة تستخدم محتوى الصحف في خدماتها الجديدة دون تفاوض مسبق مع الناشرين على ترخيص وتعويض خاص بهذا الاستخدام. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا تتحمل الصحيفة تكلفة جمع المعلومات والتحقق منها وتحريرها، ثم يستطيع طرف آخر استخدامها في خدمة تجارية دون اتفاق مع من أنتجها؟

وبعد يومين فقط، فتحت شركة «أبل» الأمريكية نافذة أمل أمام الصحافة، وقدمت تصورًا مختلفًا للعلاقة بين شركات التكنولوجيا والمؤسسات الصحفية.

فقد كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن «أبل» تتفاوض مع عدد من الناشرين على اتفاقات طويلة الأجل لاستخدام محتواهم في تزويد النسخة الجديدة المدعومة بالذكاء الاصطناعي من مساعدها الرقمي «سيري» بالأخبار والمعلومات الجارية.

ووفقًا للصحيفة، اقترحت «أبل» أن يحصل الناشرون على مقابل عند استخدام محتواهم، وناقشت ميزانية محتملة لا تقل عن مائة مليون دولار لهذه المدفوعات.

صحيح أن هذه الاتفاقات ما زالت في طور التفاوض، وقد لا تنتهي بالصورة التي يجري الحديث عنها الآن، لكن ما يهمني فيها أن هناك من بدأ يعترف بأن الأخبار التي يحتاج إليها الذكاء الاصطناعي ليست مادة مجانية، وأن وراءها مؤسسات وصحفيين أنفقوا وقتًا ومالًا لإنتاجها.

هنا عدت مرة أخرى إلى محاضرات الدكتور صليب بطرس. يومها كانت الصحافة تبيع نسخها للقراء، وتجذب بأعدادهم المعلنين. وعندما انتقل الجمهور إلى الإنترنت، أصبحت المعركة على وقت القارئ وانتباهه، وتفوقت فيها المنصات الرقمية وأخذت النصيب الأكبر من الإعلان.

أما ما يحدث الآن فيضيف إلى قائمة مصادر التمويل مصدرًا لم يكن موجودًا يومها، إذ أصبح المحتوى الصحفي نفسه أصلًا ذا قيمة اقتصادية بالنسبة إلى شركات الذكاء الاصطناعي. وربما يكون السؤال الذي يجب أن يشغل الصحف الآن هو كيف تحصل على نصيب عادل من هذه القيمة.

المفارقة هنا أن الذكاء الاصطناعي، حين يتعلق الأمر بالأخبار، لا يستطيع الاستغناء عن الصحافة بسهولة. فهناك صحفي ذهب إلى موقع الحدث، وآخر أجرى المقابلة، وثالث بحث في وثيقة أو تحقق من معلومة، وهناك مؤسسة دفعت رواتب وتكاليف تشغيل لكي يصل الخبر في النهاية إلى القارئ، ثم تأتي أنظمة الذكاء الاصطناعي بعد ذلك لتستفيد من حصيلة هذا العمل وتقدمها في ثوانٍ إلى مستخدم قد لا يزور موقع الصحيفة أصلًا.

وإذا اعتاد الجمهور الحصول على الأخبار بهذه الطريقة، فمن أين تأتي الصحافة بالمال اللازم لإنتاج الخبر في المرة القادمة؟ هنا، في تقديري، تكمن المشكلة الحقيقية؛ فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى صحافة جيدة، لكنه قد يضعف في الوقت نفسه الموارد التي تتيح لها أن تظل جيدة.

قد يفتح دفع شركات الذكاء الاصطناعي مقابل استخدام المحتوى بابًا جديدًا لتمويل الصحافة. ولا أظن أن هذا الباب وحده قادر على حل أزمتها الاقتصادية؛ فقد دفعت المؤسسات الصحفية من قبل ثمن اعتمادها المتزايد على المنصات الرقمية للوصول إلى الجمهور والإعلان، ومن المهم ألا يتكرر الأمر مع شركات الذكاء الاصطناعي. ما تحتاج إليه الصحافة هو أن تعترف شركات الذكاء الاصطناعي بقيمة المحتوى الصحفي، وأن يدفع من يستفيد منه مقابلًا عادلًا لمن ينتجه.

أعود في النهاية إلى قاعة المحاضرات في جامعة القاهرة، وإلى أستاذنا الراحل الدكتور صليب بطرس وهو يحدثنا عن الثالوث الذهبي في حياة الصحافة: التوزيع، والاشتراكات، والإعلان.

لو عاد اليوم، فربما أضاف إلى قائمته مصدرًا لم يكن يخطر ببالنا قبل أكثر من أربعين عامًا: عائدات استخدام المحتوى الصحفي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. تغيرت مصادر العائد، لكن الحقيقة الأساسية لم تتغير، وهي أن الصحافة الجيدة لها تكلفة، ولا يمكن أن تستمر من دون أن يشارك في تحملها من يستفيد منها.

لقد أخذت المنصات من الصحافة جانبًا كبيرًا من الإعلان، وقد يأخذ الذكاء الاصطناعي منها الآن جانبًا من الجمهور. وإذا كانت محركات البحث والمساعدات الذكية تريد المعلومات الموثوقة التي تنتجها الصحف، فقد حان الوقت لإعادة طرح السؤال القديم بصيغة تناسب زمننا: من سيدفع ثمن بقاء الصحافة؟