العرب والعالم

المقابر في جنوب لبنان: شاهدٌ واحدٌ على الموت مرّتيْن!

 

بيروت- وفاء عواد:فيما لا يزال لبنان 'ينزف' من خاصرته الجنوبيّة، بجرح الإحتلال المفتوح على عشرات القرى المفصولة عن الخريطة، والمسيّجة بـ'الموت الأصفر'، فإن على المقلب الآخر من الصورة بلدات جنوبيّة عدّة، غابت المآذن عن أفقها، وتحوّلت حسينيّاتها الى أكوام من الركام.

أمّا مقابرها التي كانت تحفظ ذاكرة الراحلين، فقُصفت أو جُرّفت وطاولها الدمار: حجارة متناثرة، شواهد مكسورة، أسماء اختفت أو تشوّهت أو أخفاها الغبار، وأهالٍ يحاولون ترميم علاقة لا تنفصم بسهولة بين الحياة والموت.. بعضهم يروي كيف تحوّلت الحرب الى حرب على الذاكرة، ولا سيّما منها ذاكرة معارك خيضت بالقناعة نفسها، ودماء أريقت بالسرديّة نفسها. والبعض الآخر يشير الى أن دفن الشهداء في مثواهم الأخير، لا سيّما في القرى الحدوديّة، بات 'حلماً مؤجلاً'.


هي الحرب الأخيرة، إمتدّت الى معالم شكّلت لعقود جزءاً من هويّة القرى والبلدات الجنوبيّة وذاكرتها الجماعيّة. وذلك، في مشهد تجاوز الخسائر المادية، وفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول دلالات استهداف الرموز الدينية والثقافية في زمن الحروب. فالمقبرة، المحميّة بموجب القانون الدولي الإنساني، وتحديداً بحسب اتفاقية جنيف، ليست أرضاً تحتضن الموتى فقط، بل هي ملاذٌ للحزن، وشاهد على تاريخ مجتمع وذاكرة أجيال، وعقد غير مكتوب بين الأرض وأهلها، وعنوانٌ لهويّة لا تُقاس بالإسمنت والحجارة.


'قبر أبي كان الخيط الذي يعيدني الى قريتي'. يقول الدكتور دانيال ملحم، المتحدّر من إحدى بلدات قضاء بنت جبيل، والمقيم حالياً في فرنسا. فحتى الأمس القريب، لم يكن يدخل بلدته قبل المرور بمقبرتها، حاله كحال أبناء القرى والبلدات الجنوبية العائدين اليها. يسلّم على الموتى قبل الأحياء، يقرأ أسماء أجداده بصوت عالٍ، ويخبر أطفاله عن الراقدين تحت بعض الشواهد. وذلك، في طقس وجداني لا تفرضه العادات بقدر ما تمليه الذاكرة الجماعيّة.


أمّا اليوم، فقد تغيّرت معالم المقبرة التي جمعت جدّه الأكبر وجدّه لوالده ووالده وأخويه، بفعل القصف الذي طاولها، بشكل متعمّد، وحوّلها الى ركام. لكنْ، وبحسب قوله، فإن 'الأرض قد تُجرح، لكنّها لا تغادر مكانها ولا تنسى'، فـ'قد تُهشّم الشواهد، لكنّ الحقيقة لا تُمحى، والذاكرة أكبر من أيّ ركام'.


-ذاكرة.. وركام-
وعلى هذا المنوال، يمضي أهل الجنوب حياتهم في البلدات الخاوية والمدمّرة، حيث إسرائيل قابضة على السماء والأرض.


هنا، في مقبرة ميفدون التي استهدفها العدوان الإسرائيلي، لا يبحث حسن حلال بين صفوف الشواهد عن قبر طفلته نرجس التي استشهدت وهي في ربيعها الخامس، مع بداية الحرب في 2 مارس الفائت. هو يعرف الطريق إليه عن ظهر قلب. لكنّه، رغم ذلك، يتباطأ كلّما اقترب، كأنّ المسافة لم تعد تُقاس بالأمتار، بل بما انكسر داخله منذ ذلك اليوم.. زيارة باتت امتداداً لوجع الحرب، وطريق صار امتداداً للطريق الذي انقطع عند عتبة البيت. لكن، بالنسبة اليه، القبر لم يختفِ، وما زال للأرض ذاكرة تحتفظ باسم ابنته.


وهناك، في مقبرة كفركلا، لا تزال 'الحجّة صبحيّة'، بملامحها المتجمّدة، تبحث بين الركام عن قبر وحيدها، الذي استشهد في حرب الـ66 يوماً عام 2024. بالنسبة اليها، الذاكرة 'لا تُنسف بالمتفجّرات، ولا تُجرف بالجرّافات'. تزيح غصن شجرة يابس سقط على أحد الشواهد المتبقيّة في المكان. لا بكاء واضح. وحده الصمت يبدو اللغة الوحيدة الممكنة أمام ما لا يُقال.


وفي زاوية أخرى، تنحني امرأة مسنّة فوق شاهد قبر زوجها، في بلدة برج قلاوية- قضاء بنت جبيل، ترفع قطعة رخام انفصلت عن موضعها، تمسح الغبار بطرف وشاحها، ثم تعيدها إلى مكانها بعناية.


وهنالك في مقبرة ميس الجبل، النساء وحدهنّ يجلسن عند ما تبقّى من القبور، فالرجال أقلّ حضوراً، مشتّتون، يمرّون سريعاً أو يقفون بعيداً، وكأنّ هذه المساحة لم تعد لهم.

زوجة تمسح الغبار عن شاهد قبر زوجها بحركات هادئة. أخرى تعيد ترتيب الورود الذابلة، كأنّها ترفض أن يطغى الدمار على قدسيّة المكان. وبعضهنّ يتهامسن، يقرأن الفاتحة، أو يراقبن بصمت مشهد اختلاط الركام ببقايا المصاحف على جنبات القبور. يبكين بصمت، لا نشيج، لا صراخ، بل وجع مكبوت.. وجع على تاريخ ممتدّ من آلاف السنين حتى اليوم، وعلى شواهد قبور توثّق بالسنين مقارعة الإحتلال. أما الوجع الحقيقي، فيبقى حبيس الغرف المغلقة: وجع المكان الذي يُفترض أنه خارج الخسارة.


-معركة التصدّي -
وما بين مضامين هذه المشاهد، الموثّقة بالصوت والصورة من مقبرة ميس الجبل، لا يسع زائر المكان إلا أن يلمح قبر الشهيد الفلسطيني محمد حسن رميح، إبن قرية البوزيّة الفلسطينية الملاصقة للبلدة المذكورة، والذي استشهد في 25 مايو عام 1984، خلال 'معركة التصدّي لاحتلال فلسطين'، وفق ما تبقّى من شاهد قبره.


وتكرّ سبحة المشاهد، لتستقرّ، هنا وهناك وهنالك، وتحديداً في القرى المدمّرة أو المحتلّة، على مشهد قبر جرى اقتلاعه، أو نبش رفاته، أو تسويته بالأرض، وعلى رسالة تتجاوز الحاضر إلى المستقبل، ممهورة بأسماء أكثر من 40 مقبرة طاولها القصف أو التجريف في بلدات جنوبيّة عدّة، ومنها 'بنت جبيل' الحدوديّة، حيث لا قبر تُقرأ عليه الفاتحة، ولا إسم يُحفر على شاهد، ولا ذاكرة يعلّق بها الحزن.


وهكذا، لم يعد الجنوب وقراه مجرد عنوان لمأساة عابرة، بل صار سمفونية حزينة يعزفها الزجاج المتناثر بين القبور المهدّمة، والركام المختلط بالأزهار الحزينة اليابسة، والأسماء التي فقدت حروفها تحت أثر الشظايا، والشواهد المتناثرة التي انحنت تحت وقع الإنفجارات والجرّافات: بعضها تهشّم، بعضها سقط أرضاً، وبعضها بدا كأنّه نجا بصعوبة من محو كامل.. ويبقى السؤال: هل ثمّة نهاية لهذا الموت المتكرّر؟!