العرب والعالم

الضفة الغربية تضمد جراحها.. وغزة"الجريحة " تُنقّب عن ضحاياها

المستوطنون يستبيحون البلاد والعباد

 

رام الله - محمـد الرنتيسي:عجباً لأبناء غزة، يخرجون من تحت الركام ومن بين أنقاض المنازل المهدمة، وجراحهم تنزف، لم يبقى لهم بيت ولا مستشفى ولا مسجد ولا مدرسة، ومع ذلك يصرون على موقف واحد: 'نحن في أرضنا، صامدون رغم سيل الدم.. راسخون كالجبال الشم'.


وكان الله في عون أهل الضفة الغربية، وقد احتاجوا لشهداء وجرحى جدداً، وهم يتصدون لإرهاب عصابات المستوطنين، الذين راحوا يستبيحون البلاد والعباد، ويواجهون جيشاً مدججاً بالقتل، كل همه تحويل الصفة الغربية إلى غزة ثانية.


هو تحوّل في المواجهة ينذر بحدوث انفجار، واستيطان شامل يجتاح كافة أنحاء الضفة الغربية، مئات البؤر الاستيطانية تفترش رقاع القرى والبلدات الفلسطينية.. 120 تجمعاً سكانياً هُجرت قسراً، و12 ألف رأس من المواشي تمت سرقتها، وما زال المستوطنون يعربدون على الشوارع كـ'قطّاع طرق'.


في شمال الضفة الغربية، هُجّر اللاجئون للمرة الثانية في تاريخهم، من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، ويشترط كيان الاحتلال عودتهم، بإلغاء أو حتى نسيان كلمة 'مخيم' بحيث يطلق عليها أسماء على نحو 'ضاحية' أو 'حي'، بينما تستهدف قوات الاحتلال كل ما يرمز للاجئين وحق العودة، بصبّ غضبها على مقارّ وكالة غوث وتشغيل اللجئين الفلسطينيين (الأونروا).. والتي لم يبق منها سوى بضع مدارس وعيادات صحية.


يروي أحد سكان مخيم طولكرم، وقد حطت رحاله أخيراً في قرية فرعون القريبة: حتى الآن لو سألت طالباً في المخيم أين تدرس، سيجيبك أنه يتلقى تعليمه في 'مدرسة الوكالة'.. ولو سألت مريضاً أين تعالجت سيقول لك في 'عيادة الوكالة'.. وكلمة 'وكالة' إذا ارتبطت بشيء يخصك فأنت 'لاجىء'.. واللاجىء كان له أرض هناك في حيفا ويافا والرملة.. هم يريدون لهذه المصطلحات أن تختفي وينتهي ذكرها!.


-إبادة ضد التاريخ-
في الأيام الأخيرة، سمح جيش الاحتلال لسكان مخيم طولكرم بالدخول إلى المخيم، لغايات جلب بعض الأغراض والمقتنيات، وكان الهدف واضحاً وفق روايات السكان.. فقط لكي تتكشف آثار الدمار والخراب، الذي ألحقته الجرافات العسكرية الضخمة بالشوارع والميادين والمحال التجارية، التي انقلبت رأساً على عقب، بل إن بعض الساحات الشهيرة بدت كأنها أشلاء!.


أهالي مخيم طولكرم، اندلقوا إلى المنازل والشوارع يتفقدون الدمار، وقد تملكهم الذهول من هول ما رأوا.. لقد تغيرت معالم الحارات التي اعتادوا السهر بين أحضانها، وتهاوت شرفات منازل عتيقة كانت تطل على تاريخ عريق، وثمة أزقة بدت ميتة، بلا شجر أو حجر أو بشر!.


وكم كان حزيناً ومؤلماً مشهد سقوط منازل المخيم التي تجسد أسلوب الحياة الفلسطينية بين الأزقة والحارات المتراصّة، ولسان حال أصحابها يقول: 'سنرجع يوماً، لكن هل ترجع حكاوي المخيم، وهويته التي طمست، وبيوته التي تحولت إلى أنقاض وذكريات'؟.


وفق مراقبين، فطالما ظلت أبواب التهدئة في قطاع غزة موصدة أمام المساعي الدبلوماسية، فإن كيان الاحتلال سيُبقي على وهج الضفة الغربية، من خلال الاقتحامات المتلاحقة للمدن والقرى والمخيمات، وسيظل من 'سابع المستحيل' عزل التصعيد الجاري في الضفة الغربية، عن مآلات الحرب في غزة، مع الإبقاء على طبخة التهدئة 'ساخنة' من خلال إطالة أمد 'المرحلة الثانية' من اتفاق التهدئة، لإطالة أمد 'خروقات الحرب'.


فبرأي الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري، فهناك خطة عسكرية تستهدف فرض السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، بإعلانها 'منطقة قتال عسكري' فضلاً عن المشاريع الاستيطانية، الآخذة في التوسع، وعليه، فالكيان الإسرائيلي يستدرج ضماً للضفة الغربية، وفي الأثناء يُبقي عداد الحرب مفتوحاً في قطاع غزة.


-التنقيب عن الضحايا-
في قطاع غزة، ما زالت أمواج الحرب تهدر عالياً، ولا مؤشر إلى أي شاطىء يمكن أن ترسو مراكبها، ولم يحد كيان الاحتلال قيد أنملة عن سياسته في قتل كل ما يؤشر إلى الحياة، إذ تشدد في حصاره، وظل متمسكاً بشروطه، منذ أن تحلل من تسوية 9 أكتوبر الماضي.


لم تحسم أمور المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة بعد، فتبدو غزة كمنطقة منكوبة، تغوص في وحل حرب مدمرة، آخر تداعياتها، الافتقار لآليات رفع الركام، التي تعد ذراع غزة في البحث عن المفقودين، ما أضاف كابوساً مرعباً، ليست غزة في وارد الغوص فيه، ولذا راحت تشق الصخر بأظافرها، متجشمة عناء انتشال شهداءها من تحت الأنقاض، وقد أضافت إلى ذاكرتها المثقلة بالدم والدمار حملاً زائداً.


وفي غمرة موجات القصف التي أخذت تدير ظهرها للتهدئة، ولا تعرف استراحة أو إجازة، لم يعد الوصول إلى جثامين الشهداء المدفونة تحت الأنقاض أمراً سهلاً، فأكوام الركام إلى ارتفاع، وفي الأحياء المدمرة لا معدات ولا آليات.


ودفع تشييع 112 شهيداً في غزة أخيراً، عائلات غزية للبحث والتنقيب عن ضحاياها، الذين اختفت آثارهم منذ أكثر من عامين، وتعمل طواقم الدفاع المدني بإمكانيات متواضعة، ولا تتناسب مع حجم الدمار والاحتياجات الواجب توفرها في مهمة البحث عن الشهداء المفقودين، والتي أخذت تنهض في وسط وشمال غزة، حيث تستهدف نحو 150 منزلاً مدمراً، فُقد تحتها نحو 1700 شهيداً.


ومهمة انتشال جثامين الشهداء من تحت أنقاض المنازل التي دمرها العدوان، باتت شاقة ومعقدة، ولكن لا بد منها بالنسبة لعديد العائلات، التي تنتظر معرفة مصير أبنائها، لمواراتهم الثرى بما يحفظ كرامتهم الإنسانية.