المقتولون الغالبون
الثلاثاء / 4 / ربيع الأول / 1448 هـ - 19:25 - الثلاثاء 18 أغسطس 2026 19:25
فهل خلا العصر العباسي تحديدا من الفاسقين والفاسدين والمجدّفين، وهل كانت صورته صورة لافظ المجون، التقيّ النقيّ، وهو عصر مجالس الأدب والطرب والجواري وسوء الأدب؟ بقي الحلاّج في ضمير الكون صورة فاعلة مؤثّرة، خالدة، يفوق أثرها في الفكر وانغراسها في الذاكرة الكونية ذكْر الخليفة القاتل، العائث فسادا في جثّة المقتول.
لم يُهزَم الحلاّج وإنْ انتصرت السلطة في قتله والعبث بجسده، غَالَبها وغَلبها بالبقاء، وصَلْبُه على خشبة كان حفرا لأثره في التاريخ.
خلّدت الذاكرة هيباتيا، وأصبحت أيقونة في عالم الرياضيات والفلسفة والفكر الفاعل، ولمقاومة التعصّب الفكري والديني، ومقتلها هجَّر علماء الإسكندرية وفقَّرها وأخرجها من عصرها الذهبي إلى مهاوي السقوط والفوضى.
ومِن أثرها نتج فيلم مرسِّخ لمسارها ومحيي لذكراها، هو فيلم Agora. جيوردانو برونو (1600 م) الفيلسوف والراهب وعالم الرياضيات الإيطالي، الذي أصرّ أنّ الكون لا نهائي وأنّ الأرض ليست مركزه، وحافظ على أفكاره، حتّى بعد أن سجنته الكنيسة وعذبته وأهانته، رفض التراجع والاعتذار وتمسّك بآرائه الكونية، فوضعت الكنيسة سيخا من الحديد في فمه لتمنعه من الكلام وصلبته وأشعلت فيه النار حيّا أمام الناس في ساحة كامبو دي فيور، الساحة التي ركّز فيها الإيطاليون سنة 1889 تمثاله، مقابل الفاتيكان، شاهدا على عنف هذه المؤسسة التاريخي، وتذكيرا لهم بآثامهم وتقتيلهم للمفكّرين والعلماء.
اندثر القاتل وبقي المقتول، في حياة الناس حيّا حاملا لجُرْم قاتله. لم يخنع برونو، ولم يتراجع، ولم تقدر محاكم التفتيش على ترهيبه وترويعه، كان حاملا لفكرة، لرأي، لعلم يؤمن به، ولم يفعل فعل غاليلو الذي نجحت الكنيسة في تخويفه، وأكرهته على توقيع اعتراف بأنّ الأرض ثابتة وأن أراءه الفلكية خاطئة، ومع ذلك يُنسَب إليه أنّه التفت إلى مقرّبيه أثناء اعترافه، وهمس لهم «ومع ذلك، فالأرض تدور»، ورغما عن تراجعه، ألزمته بقيّة حياته أن يعيش في إقامة جبرية في بيته.
فعروة بن حزام لو نجحت خطبته لابنة عمّه لصمت، وقيس بن الملوِّح لو اقترن بليلاه لانعدمت القصّة. مجنون بني عامر صورة عن العاشق المهزوم المأزوم الذي تقبَّله الوعي الإنساني واحتفى به ومجّده، ورفع من قدره، رغم أنّ حياته -إن صحّت أحداثها- مليئة بالمرارة والهزيمة والانكسار والشكوى.
يُصنَع المجنون عشقا وولها من حبّ لا يتحقّق، ولا يُنجَز، فإن تحقّق انتهى، إن انتصر المجنون غاب عن التاريخ، وانتهت قصّته المرتكزة أساسا وبنية على ضرورة الفشل، ولذلك، فإنّ بعض الأخبار تذكر أنّ ليلى عندما تزور قيس بن الملوّح جسدا وحضورا عينيّا، وهو هائم على وجهه في البادية، وتجنح إلى محادثته والتلطّف به، كان يقول لها: «إليكِ عني، فقد شغلني حبكِ عنكِ».
هزيمة المجنون في هذا الساق انتصارٌ لوجوده التاريخي ولتخليد أثره.
الإنسان هو الكائن القادر على قتْل أخيه الإنسان بحجّة الدفاع عن اللّه أو عن الوطن أو عن الحقيقة أو عن النظام، غير أنّه لا يقدر أن يضمن موتَ أثر المقتول، يُعذِّب الجسد، يمحقه، يسحقه، يحرقه، لكنّ الفكرة باقية، والأثر غير قابل للحرْق بفعل البشر.