أعمدة

المقتولون الغالبون

عديدة هي مظاهر تقتيل المختلفين مع السائد في تاريخ الإنسانية، ولا يعني ذلك بالضرورة أنّ القاتل منتصرٌ وأنّ المقتول منهزم، مندحر.

لقد ثبَّت التاريخ المقتولين قهرا وقسْرا من أصحاب الفكر والوجدان، وأعلى من شأنهم، وحفظهم في ذاكرة الإنسانيّة، ومن جهة ثانية، فإنّ عنف الإنسان في تعامله مع مَن يختلف معه فكرا ورأيا ورؤية مؤرق ومقلق.

إنّ هزيمة سقراط الفيلسوف اليوناني (399 ق.م) أمام محكمة أثينا حدث تاريخيّ فكريّ مؤسّس لعقلٍ محاور مجادل يرفض الانتصار هربا، ويقبل أن يكون ضحيّة عقل سياسيّ محدود، وأن يترسّخ شهيدا فاتحا للصراع الدائم بين العقل الحرّ والسياسة.

تُهَم سُقراط انحصرت في ذنبين ظاهريْن وذنبٍ مبطَّن، فالظاهر إفساد الشباب بدفعهم إلى التساؤل والتفكير والتشكيك، وعدم الاعتراف بآلهة أثينا، أمران أجازا لمحكمة أثينا متعدّدة الأصناف والأنواع الانتهاء إلى إعدام سُقراط، تسميم عقول الشباب والكفر بالآلهة، أمّا التهمة المبطّنة الأساس، فهي حمل الشباب على رفض السائد السياسيّ، والتخلّص من جمود الفكر واستكانة العقل.

سُقراط انتهى إلى الموت إعداما قضائيّا أسهم فيه مجتمع أثينا المدني والأدبي والسياسي والاجتماعي، غير أنّ سُقراط باق، ومحاكمته وما أبدعه من جدل قوليّ ومن أداء فعلي، برفضه الهروب إذ عُرض عليه من تلامذته، أصبحت ورقة في مدوّنة التاريخ ثابتة، محفّزة، يُعلَى فيها من شأن سقراط المهزوم، ويُحطُّ فيها من شأن مَن حاكموه وانتصروا. الهزيمة لا تعني الخروج من الذاكرة، وإنما هي في بعض الأحيان باب للخلود.

الحلاّج المتصوف (922 م) الذي قتلته تصوّراته الروحانية، هُزم وقُتِّل وصُلّب، وعملت السلطة القائمة على محو وجوده، وقبْر أثره، جُلد، وقُطِعت أطرافه وصُلب وهو حيّ، ثمّ فُصل جسده عن رأسه الذي بقي معلّقا ببغداد ليكون عبرة للناس، وأُحرق جسده ونُثر رماده، حتّى لا يُترَك منه أثر، وكان ذلك في عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله ووزيره حامد بن العباس.

تُهمة الحلاّج في الظاهر هي التجديف والكفر وادّعاء الألوهيّة، وفي الباطن هي التفاف الشباب من حوله، وتأثيره العميق في الناس.

فهل خلا العصر العباسي تحديدا من الفاسقين والفاسدين والمجدّفين، وهل كانت صورته صورة لافظ المجون، التقيّ النقيّ، وهو عصر مجالس الأدب والطرب والجواري وسوء الأدب؟ بقي الحلاّج في ضمير الكون صورة فاعلة مؤثّرة، خالدة، يفوق أثرها في الفكر وانغراسها في الذاكرة الكونية ذكْر الخليفة القاتل، العائث فسادا في جثّة المقتول.

لم يُهزَم الحلاّج وإنْ انتصرت السلطة في قتله والعبث بجسده، غَالَبها وغَلبها بالبقاء، وصَلْبُه على خشبة كان حفرا لأثره في التاريخ.

هيباتيا الإسكندرية (415 م)، الفيلسوفة وعالمة الرياضيات والفلك، التي تُعَدّ أوّل امرأة يُثبت التاريخ أعمالها وآثارها في مجال الرياضيات، تُقتَّل، ويقطَّع لحمها قطعا قِطعا بواسطة قِشر المحار أو قِطع الفخار الحادّة التي كُشِط بها جلدها، بعد أن عُرِّيت أمام كنيسة الكيساريون، ثمّ أوقدوا فيها النار وهي حيّة، كان هذا التفنّن في التعذيب والتقتيل بأيدي متشدّدين مسيحيين، نسي التاريخ قائدهم، والكنيسة التي كانت تُصارع على السلطة، واحتفظ برمزيّة هيباتيا صورة لحريّة الفكر، ولفضاعة فعل الإنسان الوحشيّ.

خلّدت الذاكرة هيباتيا، وأصبحت أيقونة في عالم الرياضيات والفلسفة والفكر الفاعل، ولمقاومة التعصّب الفكري والديني، ومقتلها هجَّر علماء الإسكندرية وفقَّرها وأخرجها من عصرها الذهبي إلى مهاوي السقوط والفوضى.

ومِن أثرها نتج فيلم مرسِّخ لمسارها ومحيي لذكراها، هو فيلم Agora. جيوردانو برونو (1600 م) الفيلسوف والراهب وعالم الرياضيات الإيطالي، الذي أصرّ أنّ الكون لا نهائي وأنّ الأرض ليست مركزه، وحافظ على أفكاره، حتّى بعد أن سجنته الكنيسة وعذبته وأهانته، رفض التراجع والاعتذار وتمسّك بآرائه الكونية، فوضعت الكنيسة سيخا من الحديد في فمه لتمنعه من الكلام وصلبته وأشعلت فيه النار حيّا أمام الناس في ساحة كامبو دي فيور، الساحة التي ركّز فيها الإيطاليون سنة 1889 تمثاله، مقابل الفاتيكان، شاهدا على عنف هذه المؤسسة التاريخي، وتذكيرا لهم بآثامهم وتقتيلهم للمفكّرين والعلماء.

اندثر القاتل وبقي المقتول، في حياة الناس حيّا حاملا لجُرْم قاتله. لم يخنع برونو، ولم يتراجع، ولم تقدر محاكم التفتيش على ترهيبه وترويعه، كان حاملا لفكرة، لرأي، لعلم يؤمن به، ولم يفعل فعل غاليلو الذي نجحت الكنيسة في تخويفه، وأكرهته على توقيع اعتراف بأنّ الأرض ثابتة وأن أراءه الفلكية خاطئة، ومع ذلك يُنسَب إليه أنّه التفت إلى مقرّبيه أثناء اعترافه، وهمس لهم «ومع ذلك، فالأرض تدور»، ورغما عن تراجعه، ألزمته بقيّة حياته أن يعيش في إقامة جبرية في بيته.

قد يُسهم المجتمع أيضا في وأد الفكرة وصاحبها، وعدْم الوجدان والواجد، ومثالنا في ذلك أخبار عشّاق العرب الذين لو زُوِّجوا مَن أحبّوا، وعاشوا حياة التقارب والتواصل لما ظهروا على ساحة التاريخ، فتاريخ وجودهم وإيجادهم مقرون بالحرمان والانتهاء إلى الموت عشقا.

فعروة بن حزام لو نجحت خطبته لابنة عمّه لصمت، وقيس بن الملوِّح لو اقترن بليلاه لانعدمت القصّة. مجنون بني عامر صورة عن العاشق المهزوم المأزوم الذي تقبَّله الوعي الإنساني واحتفى به ومجّده، ورفع من قدره، رغم أنّ حياته -إن صحّت أحداثها- مليئة بالمرارة والهزيمة والانكسار والشكوى.

يُصنَع المجنون عشقا وولها من حبّ لا يتحقّق، ولا يُنجَز، فإن تحقّق انتهى، إن انتصر المجنون غاب عن التاريخ، وانتهت قصّته المرتكزة أساسا وبنية على ضرورة الفشل، ولذلك، فإنّ بعض الأخبار تذكر أنّ ليلى عندما تزور قيس بن الملوّح جسدا وحضورا عينيّا، وهو هائم على وجهه في البادية، وتجنح إلى محادثته والتلطّف به، كان يقول لها: «إليكِ عني، فقد شغلني حبكِ عنكِ».

هزيمة المجنون في هذا الساق انتصارٌ لوجوده التاريخي ولتخليد أثره.

مليءٌ مجتمع البشر بعنف وجداني ووجودي ومادي حملت مفكّري علم الاجتماع إلى الدراسة العميقة في ظاهرة العنف وأسباب تشكّلها وتكوّنها وملازمتها للإنسان. هذا الإنسان المتوحّش، الذي يملأ الإيمان قلبه ويكشط جلد امرأة بقشر محار.

الإنسان هو الكائن القادر على قتْل أخيه الإنسان بحجّة الدفاع عن اللّه أو عن الوطن أو عن الحقيقة أو عن النظام، غير أنّه لا يقدر أن يضمن موتَ أثر المقتول، يُعذِّب الجسد، يمحقه، يسحقه، يحرقه، لكنّ الفكرة باقية، والأثر غير قابل للحرْق بفعل البشر.