أعمدة

المبادرات الثقافية: من تمويل الفعالية إلى صناعة المؤسسة

في التفاتة كريمة تلقيت دعوة للمشاركة في ملتقى المبادرات الثقافية «نحو شراكة ثقافية مستدامة»، والذي أقيم على مدى يومين في شهر أغسطس ببيت الزبير بمحافظة مسقط. الجدير بالذكر أن الدعوة رشحت مبادرتنا التي تحمل اسم «مختبر الربيع للكتابة والأداء» للنقاش في جلسة بعنوان «استدامة المبادرات الثقافية: الحوكمة والتمويل وصناعة الأثر».

لا أخفي انتباهي إلى الكلمات الثلاث التالية: الحوكمة، والتمويل، وصناعة الأثر. فالحوكمة تهتم بتنظيم إدارة المبادرة وتوزيع الأدوار والمسؤوليات وآليات اتخاذ القرار بوضوح وشفافية، بما يضمن استمراريتها وعدم ارتباطها بشخص واحد.

أما التمويل فيتعلق بتوفير الموارد المالية والعينية اللازمة لاستمرار المبادرة، وتنويع مصادرها عبر الشراكات والرعاية، والمنح، ورسوم البرامج، وغيرها.

وإذا كان لكلّ مبادرة أهدافها المعلنة فإن أسمى ما تتركه في المجتمع هو صناعة الفارق، ولا يتحقق ذلك إلا عن طريق الأثر؛ أي التغيير الحقيقي الذي تُحدثه المبادرة في المستفيدين، أو المجتمع والمشهد الثقافي، ويُقاس بالنتائج الكمية والنوعية التي تستمر بعد انتهاء النشاط.

إن أول ما جال في ذهني حول المبادرات الثقافيّة أسئلة مهمة يُمكن أن تطرحها أي مبادرة في المجتمع، لا سيما، في ظل رؤية «عمان 2040» واستراتيجيتها الثقافيّة التي أولت وزارة الثقافة والرياضة والشباب قطاع الثقافة أهمية كبيرة وجاء من بين أهدافها «تحقيق تنمية ثقافية مستدامة يتجلى فيها النمو والتطور والتجديد كعناصر أساسية في تحول المشهد الثقافي العماني إلى واجهة للإبداع والتنوع الثقافي».

عندئذ نطرح هذه الأسئلة على سبيل المثال: هل حققت المبادرات الثقافية على وجه الحقيقة أهدافها المُعلنة؟ كيف تستطيع المبادرات الحصول على التمويل الجيد؟ كيف تحقق الاستدامة؟ لماذا ما يزال دعم القطاع الخاص للمبادرات الثقافية محدودا وغير مستدام؟ والسؤال الأهم: ما دور المجتمع المحلي في دعم المبادرات وبناء حاضنة لها، بما يمكّنها من الانتقال من منطق الرعاية المؤقتة للحدث إلى منطق الاستثمار طويل الأمد في المؤسسة والإنسان والأثر؟ إن محاولة الإجابة عن الأسئلة التي طرحناها تتوزع على ثلاثة جوانب، الأول الجانب الرسمي المسؤول عن تكوين هذه المبادرات ورعايتها والإشراف على كياناتها.

والجانب الثاني المجتمع العماني وقدرته على دعم هذه المبادرات بعد تحديد حاجاته منها، فالناس يتكلمون عن الثقافة وأهميتها ورسالتها، لكنهم في الواقع الفعلي يقفون بتردد كبير في دعم مبادرة ثقافية، إلا في استثناءات ضيقة جدا، ولسان حالهم يقول: ما الجديد الذي ستقدمه المبادرة وهناك وزارة معنية بالثقافة؟ وما الأثر الذي ستحدثه أي مبادرة ثقافية على المدى البعيد، إذا ظل نشاطها نخبويًا يقتصر على تقديم المعلومات؟ أما الجانب الثالث والأخير فيخص القطاع الخاص.

من واقع التجربة الشخصية كان هناك عزوف عن دعم المختبر، بحجة ما العائد الذي سيعود على الجهة الممولة؟ فالممول مهما كانت الجهة التي يمثلها؛ شركة أو مؤسسة أو مصرفا، ينطلق من فكرة اقتصادية مفادها أن رأس المال غالبا لا يتحرك دون توقع عائد أو منفعة، إنه لا يمنح، بل يستثمر.

في هذا السياق، أشير -مثلا- إلى حرص المهتمين بالشأن الثقافي في مجتمعات الخليج العربي على تأسيس مبادرات ومؤسسات لا يزال أثر بعضها باقيا حتى اليوم، نذكر من بينها: متحف بيت الزبير في مسقط، الذي افتُتح عام 1998م بوصفه أول متحف خاص في عُمان، ثم توسع عام 2005م ليصبح مؤسسة ثقافية تعمل في جوانب التراث والثقافة المختلفة.

وكذلك في مبادرة (حي جميل) بالمملكة العربية السعودية التي افتتحت في جدة عام 2021م، بوصفها مجمعا للفنون والصناعات الإبداعية. وفي الشارقة تأسست مؤسسة بارجيل للفنون عام 2010م، المعنية بالفن العربي الحديث والمعاصر. إن هذه النماذج تكشف عن الكيفية التي يتحول بها رأس المال إلى شريك في صناعة المؤسسات الثقافية.

تبدو هذه الجوانب متصلة ويصعب فصلها. إن الأثر الذي تسعى أي مبادرة إلى تحقيقه ليس بالأمر السهل، طالما أن المجتمع ينظر إلى الوزارة بوصفها وحدها المسؤولة عن الثقافة، فالمسألة تحتاج إلى وعي ومعرفة وشعور بالمسؤولية المدنية، وقد جاء في رؤية «عمان 2040» ما يلي: «الطموح في تحقيق هذا التحول يتطلب وعيا فكريا ومعرفيا مجتمعيا قادرا على التعامل مع التحولات التي يشهدها العالم وفق منظومته السياسية، والثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية...».

كما أن الأدوار التي تؤديها المبادرات الثقافيّة يراها بعض الناس أدوارا لا تبتعد كثيرا عن أدوار الجمعيات الأهلية والمدنية، دون إدراك التمايز بينها، وهنا يبرز سؤال مدى وعي المجتمع بالقوانين واللوائح الداخلية التي تنظم عمل كل منهما على حدة، فضلا عن اختلافهما في طبيعة التأسيس والأهداف وطرائق العمل ودرجة المرونة.

في ظل الثورة المعلوماتية، فإن الأدوار التي تقع على عاتق المبادرات الثقافية تعدُّ شكلا من المسؤولية الوطنية، فالأثر الذي تريد تحقيقه كل مبادرة ناشطة لا يقتصر على التكريم ومنح الجوائز.

إن هذا الأمر مهم أيضا؛ لأنه جزء من الاعتراف والتقدير لمؤسسي المبادرة لكن الأمر المهم أمام المبادرات، في ظل رؤية «عمان 2040» هو كيف ننتقل في سلطنة عمان من تمويل القطاع الخاص للفعاليات والمبادرات إلى استثماره في بناء مؤسسات ثقافية مستدامة؟ إن تنمية الثقافة وتطوير المجتمع ثقافيا لا يقتصر على جوانب أدبية في الشعر، والرواية، والقصة، والمسرح، والنقد.

إن الثقافة هي النظرة الشمولية إلى جميع جوانب الحياة ومظاهر التطور والتجديد والرعاية، وتشترك في تحقيق ذلك المؤسسات الرسمية والمجتمع وقطاعاته الخاصة، وإذا نظرنا إلى جهود هؤلاء في دعم المبادرات الثقافية، فإننا نتطلع إلى الأثر الحضاري الذي ينعكس على عمان ويليق بمكانتها التي تستحقها.