الاقتصادية

45 عامًا من العمل.. قصة نجاح سالم المعشني في دكانه بولاية طاقة

 

يقدم سالم بن علي المعشني نموذجًا حيًا للمواطن العماني الذي استطاع أن يحافظ على مشروعه التجاري لأكثر من خمسة وأربعين عامًا، مؤكدًا أن الاستمرار في العمل والإيمان بقيمة الكسب الحلال يمكن أن يصنعا قصة نجاح تتجاوز حسابات الربح والخسارة.
ففي منطقة شيحيت بولاية طاقة، يبدأ سالم يومه مع أول خيوط الفجر، يفتح باب دكانه الصغير الذي رافقه منذ عقود، ويرتب بضاعته بعناية اعتاد عليها طوال سنوات عمله، مستقبلاً زبائنه بابتسامة يعرفها أهالي المنطقة منذ زمن طويل.
ولا يمثل هذا الدكان مجرد منفذ لبيع السلع، وإنما أصبح جزءًا من ذاكرة المكان، ارتبط بأجيال متعاقبة من سكان المنطقة، وشهد التحولات التي مرت بها الحركة التجارية والاجتماعية في الولاية، محافظًا على حضوره رغم تغير أنماط الحياة واتساع الأسواق الحديثة.
وأوضح سالم المعشني في حديثه لـ'عُمان' قائلًا: 'افتتحت هذا الدكان قبل نحو خمسة وأربعين عامًا بهدف توفير احتياجات أهالي المنطقة وكسب الرزق بالحلال. في ذلك الوقت لم تكن المحال التجارية متوفرة كما هي اليوم، لذلك كان الدكان يخدم سكان المنطقة ويلبي احتياجاتهم اليومية'.
ويضيف مسترجعًا ذكريات البدايات: 'مرت أمامي أجيال كاملة، أطفال كانوا يأتون مع آبائهم، واليوم أصبحوا يصطحبون أبناءهم إلى المكان نفسه. هذه الذكريات هي أجمل ما خرجت به من رحلة العمل الطويلة'.
ورغم التغيرات الكبيرة التي شهدها القطاع التجاري، وازدياد المنافسة مع انتشار الأسواق الكبرى، أكد سالم أن ذلك لم يثنه عن مواصلة مشروعه، قائلًا: 'المنافسة أصبحت أقوى، لكن لكل إنسان رزقه. ما زلت أؤمن بأن الأمانة وحسن التعامل هما رأس المال الحقيقي، وأن ثقة الناس لا تُشترى'.
وأشار إلى أن أصحاب المحال الصغيرة يواجهون اليوم تحديات متعددة، أبرزها ارتفاع أسعار السلع، وتزايد تكاليف النقل والتشغيل، إلى جانب المنافسة الكبيرة، إلا أنه يرى أن الصبر والاستمرارية هما مفتاح النجاح، وأن المشروع الصغير يمكن أن يستمر متى ما ارتبط بالإخلاص والاجتهاد.
ولفت إلى أن أعظم ما حققه خلال هذه السنوات ليس حجم الأرباح، وإنما المكانة التي اكتسبها بين أبناء المجتمع، قائلًا: 'أجمل ما كسبته هو محبة الناس وثقتهم، وهذه بالنسبة لي أكبر من أي ربح مادي'.
ورغم أن العائد المالي لم يعد كما كان في السابق، فإن فكرة إغلاق الدكان لم تراوده، موضحًا: 'الربح اليوم محدود، لكن هذا المكان أصبح جزءًا من حياتي. أجد فيه راحتي، وأستمتع بلقاء الناس كل يوم، وأشعر بسعادة كبيرة عندما أفتح باب الدكان مع بداية كل صباح'.
ويوجه سالم رسالة إلى الشباب العماني، يدعوهم فيها إلى خوض تجربة العمل الحر وعدم انتظار الوظيفة، مؤكدًا أن المشروعات الناجحة تبدأ بخطوات بسيطة، وأن النجاح يحتاج إلى الصبر والمثابرة والإخلاص، قائلًا: 'لا تستصغروا أي مشروع شريف، فكل نجاح كبير بدأ بفكرة صغيرة، ومن يعمل بصدق يبارك الله له في رزقه'.
وتعكس تجربة سالم المعشني أهمية المشروعات التجارية الصغيرة باعتبارها إحدى أدوات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فهي تسهم في خدمة المجتمع والمحافظة على النشاط الاقتصادي داخل الأحياء والقرى، كما تجسد قيم الاعتماد على الذات والاستمرارية في العمل.
وتعكس هذه التجربة كذلك أهمية دعم رواد الأعمال وأصحاب المشروعات الصغيرة، وتشجيع المواطنين على الاستثمار في أعمالهم الخاصة والمحافظة عليها، فنجاح هذه المشروعات لا يقاس فقط بحجم أرباحها، وإنما بقدرتها على الاستمرار، وخلق قيمة اقتصادية واجتماعية، وتعزيز ثقافة العمل الحر بين أفراد المجتمع.
وبعد أكثر من خمسة وأربعين عامًا، لا يزال سالم المعشني يفتح دكانه كل صباح بالإرادة نفسها التي بدأ بها رحلته، ليقدم نموذجًا ملهمًا يؤكد أن الاستدامة في العمل، والالتزام، وحسن التعامل مع الناس، تبقى من أهم مقومات نجاح أي مشروع، مهما كان حجمه، وأن المشروعات الصغيرة قادرة على أن تترك أثرًا كبيرًا يمتد عبر الأجيال.