العرب والعالم

من الحرب إلى صناديق الاقتراع كيف يروج اليمين الإسرائيلي لتهجير الغزيين؟

 

غزة: 'عُمان' - بهاء طباسي
لم تعد 'الهجرة الطوعية' للفلسطينيين من قطاع غزة مجرد فكرة تتداولها أوساط اليمين الإسرائيلي، أو شعارًا هامشيًا ترفعه مجموعات استيطانية. فقد تحولت إلى سياسة معلنة تتقاطع فيها الحسابات الانتخابية مع الوقائع العسكرية، فيما يستعد الإسرائيليون لانتخابات الكنيست في 27 أكتوبرالمقبل، في أول اقتراع عام منذ حرب السابع من أكتوبر.


في هذا المشهد، لا يتنافس وزراء اليمين فقط على تعريف مستقبل غزة، بل يستخدمون القطاع نفسه مادةً للتعبئة السياسية. وما كان يُقال سابقًا في المؤتمرات المغلقة أصبح اليوم يقال أمام الكاميرات، عند حدود غزة، وفي مقابلات انتخابية، بل ويتحول تدريجيًا إلى ترتيبات حكومية وميدانية.

ويبدو أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا يقف خارج هذا المسار؛ فقد أبقى 'الهجرة الطوعية' على جدول أعمال حكومته، وقال في مقابلة مع القناة 14 إن الفكرة ما زالت مطروحة.


*وعد انتخابي عند الحدود* في أحدث تصريحاته، قال وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، في مقابلة تلفزيونية مع i24NEWS نُشرت في 12 أغسطس، إنه يضغط 'كل صباح' على نتنياهو من أجل تشجيع الهجرة من غزة. لكنه ربط تحويل هذا الضغط إلى سياسة عملية بنتيجة الانتخابات المقبلة، قائلًا إن حصول حزبه 'عوتسما يهوديت' على 15 مقعدًا سيتيح له الدفع نحو تنفيذها.

وفي التسجيل المنشور للمقابلة، قال بن غفير إن زيادة قوة حزبه ستمنحه القدرة على 'تشجيع الهجرة' من القطاع.


وقبل ذلك بأسابيع، وقف بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش في 19 يوليو أمام آلاف المستوطنين والناشطين قرب حدود غزة، خلال مسيرة حملت شعار 'بعد 21 عامًا نعود إلى البيت'. لم تكن الفعالية احتفالًا رمزيًا فحسب؛ فقد شارك فيها وزراء وأعضاء كنيست، وطالبت بإعادة إقامة المستوطنات التي أُخليت عام 2005.

وقال بن غفير أمام الحشد: 'ستكون هناك مستوطنات يهودية في كل غزة'، داعيًا إلى 'تشجيع الهجرة الطوعية' للفلسطينيين إلى دول أخرى، ومضيفًا: 'غزة لنا'.


أما سموتريتش، الذي يتولى أيضًا ملف الاستيطان في وزارة الدفاع، فقال خلال المسيرة نفسها إن العمل جارٍ لإعادة الاستيطان، وإن خطط إقامة ثلاث مستوطنات في شمال القطاع أُنجزت وتنتظر موافقة نتنياهو.

وبهذا لم تعد 'الهجرة' منفصلة عن مشروع استيطاني معلن؛ فخروج الفلسطينيين، في خطاب اليمين، يفتح الطريق لعودة المستوطنين.
*من الخطاب إلى الآلية* وزير الدفاع إسرائيل كاتس منح الفكرة غطاءً حكوميًا أكثر وضوحًا.

ففي 27 مايو قال إن خطة 'الهجرة الطوعية' من غزة ستُنفذ 'في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة'، مؤكدًا أن إسرائيل لن تسمح لحماس بالحكم المدني أو العسكري، وأن خطة الهجرة ستتقدم. وكانت الحكومة قد أقرت في مارس 2025 إنشاء قسم داخل وزارة الدفاع لإعداد 'حركة آمنة ومنظمة' لسكان غزة الراغبين في المغادرة إلى دول ثالثة، مع بحث مسارات وممرات للمغادرة.


لكن عبارات 'الطوعية' و'الأمان' تصطدم بواقع القطاع.

فحين يُحاصر السكان، وتُدمر البيوت، وتُغلق المعابر، وتُمنع مواد الإيواء وإعادة الإعمار، يصبح السؤال ليس فقط: هل غادر الناس بإرادتهم؟ بل: ما البدائل التي أبقيت لهم كي يظل الرحيل طوعيًا؟ ولهذا حذرت منظمات حقوقية إسرائيلية من أن الخطة قد ترقى إلى النقل القسري للسكان، وهو جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.


ومن جهتها، طرحت وزيرة الاستخبارات السابقة والابتكار والعلوم والتكنولوجيا الحالية، غيلا غمليئيل، في نوفمبر 2023، 'إعادة التوطين الطوعي' للفلسطينيين خارج غزة، داعية المجتمع الدولي إلى تمويل استقبالهم بدل تمويل إعادة إعمار القطاع. وفي يونيو ويوليو 2026، واصلت الدفاع عن الفكرة، وتحدثت عن آليات حكومية لدفعها.


*هدنة بلا حياة* تجري هذه التصريحات فيما يعيش سكان غزة هدنة هشة لا تشبه السلام.

فبعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر2025، استمرت أعمال القتل والقصف وإطلاق النار، بينما توسعت السيطرة العسكرية الإسرائيلية إلى أكثر من 60 في المئة من مساحة القطاع، وفق معطيات أممية وتقارير إعلامية، ووصلت تقديرات حديثة إلى نحو 65 أو 70 في المئة.


وبحسب أحدث التقديرات المحلية، خلّفت الخروقات الإسرائيلية للهدنة منذ أكتوبرالماضي أكثر من 1,250 شهيدًا ونحو 4,200 جريح في غزة، فيما تجاوز عدد الشهداء منذ بداية الحرب 73 ألفًا، إلى جانب عشرات الآلاف من المصابين والمفقودين تحت الأنقاض.


ويعيش معظم سكان غزة بين أنقاض المدن ومخيمات مكتظة. ويعتمد نحو 75 في المئة منهم على نقل المياه بالشاحنات، بينما يعاني 90 في المئة من انقطاعات متكررة وغير متوقعة في الوصول إلى مياه آمنة. أما الخيام، التي يفترض أن تكون مأوى مؤقتًا، فأصبحت عنوانًا دائمًا للنزوح والمرض وانعدام الخصوصية.


وفي 9 أغسطس، رفض نتنياهو خارطة الطريق الأميركية المؤلفة من 15 بندًا، قائلًا أمام حكومته إن الجيش لن ينسحب قبل نزع سلاح حماس 'بشكل حقيقي'.

ويعني ذلك عمليًا استمرار السيطرة العسكرية على مساحات واسعة، وتعطيل الانتقال إلى المرحلة التالية التي كانت تتضمن انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا ونشر قوة دولية وإدارة فلسطينية تكنوقراطية.


وفي هذا الصدد، يقول إياد جودة، الكاتب والباحث في الشؤون الإسرائيلية، لـ'عُمان' إن غزة تحولت 'في غفلة من المجتمع الدولي' إلى مادة للمزايدة الانتخابية في إسرائيل. ويضيف أن اليمين الإسرائيلي لا يكتفي بتقديم الهجرة بوصفها حلًا، بل يجعلها وعدًا انتخابيًا للحصول على أصوات الناخبين وتعزيز مواقع الأحزاب داخل الحكومة.


ويرى جودة أن توقيت التصريحات ليس عابرًا: 'نحن أمام انتخابات في أكتوبر، واليمين يريد أن يقول لجمهوره إنه قادر على تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية واستيطانية'، مضيفًا أن غزة أصبحت في الخطاب الإسرائيلي ساحةً لإثبات التشدد، لا ملفًا سياسيًا وإنسانيًا يحتاج إلى حل.


ويتابع أن بن غفير وسموتريتش يجاهران علنًا بسياسة تهجير الفلسطينيين، فيما يضفي كاتس وغمليئيل عليها لغةً إدارية وإنسانية. 'يغيرون المصطلحات، من الهجرة الطوعية إلى الحركة الحرة أو إعادة التوطين، لكن جوهر الفكرة واحد: إخراج الفلسطيني من أرضه وفتح المجال أمام الاستيطان'، يقول جودة.


ويؤكد أن المسألة لا تتوقف عند التصريحات. 'هم يحققون ذلك على الأرض عبر إطالة أمد الحرب، وتوسيع المناطق المغلقة، وتدمير مقومات الحياة، وتعطيل إعادة الإعمار، وإبقاء الناس في خيام ومناطق مكتظة'، مشيرًا إلى أن هذه السياسات تدفع السكان إلى التفكير في الرحيل، ثم تقدم إسرائيل هذا الرحيل على أنه قرار اختياري.


ويضيف جودة أن رفض نتنياهو خارطة الطريق ذات البنود الـ15 يمثل حلقة جديدة في هذا المسار.

فبدل الحديث عن وقف شامل للنار، وانسحاب القوات، وانتشار قوات دولية لحفظ السلام، تصر الحكومة الإسرائيلية على شروط تؤجل التسوية وتبقي غزة تحت السيطرة العسكرية. 'يريدون أن يقولوا إن الناس يغادرون بمزاجهم، بينما هم الذين يدفعونهم إلى الهجرة بالسياسات الدامية'، يوضح.


ويختم جودة بالقول إن كل المؤشرات في غزة تقول إن سيناريو التهجير 'ماضٍ على قدم وساق'، ما لم يتحرك المجتمع الدولي بضغط حقيقي على إسرائيل. 'المشكلة أن هذه السياسة تُعرض أمام العالم بلا مواربة تقريبًا، ومع ذلك لا يجري التعامل معها بالجدية التي تستحقها. علامات الاستفهام كبيرة، لكن المطلوب ليس المزيد من البيانات، بل وقف أدوات الإكراه ومنع تحويل التهجير إلى أمر واقع'.