أعمدة

مبدعون يبحثون عن فرصة الظهور

يعيش بيننا كثير من المبدعين في مجالات الشعر -والأدب بشكل عام- الذين لا نعرفهم، إما لقلة التواصل، وإما لعدم وجود محفز لظهورهم، وإما لندرة الفعاليات الثقافية الجاذبة، وإما لوجود أسباب شخصية خاصة لدى بعضهم، وفي كل الأحوال فإن الوطن بحاجة إلى كل مبدع، وكل مؤثر يستطيع أن يمد يده ليكتب، ويؤثر في نفوس الآخرين، ويعيد جذوة الإبداع إلى أقصى طاقاتها، ويسرّع وتيرة المتعة التي يمكن أن يضفيها (مبدع) على نفس المتلقي.

أذكر أنني حضرتُ منذ سنوات فعالية شعرية في إحدى دور المكفوفين؛ حيث كان المشاركون جميعهم من مكفوفي البصر، وأذكر كم كانت تجربة استثنائية أن تستمع لإبداعات لم يمنعها فقدان (البصر) من إيقاد جمرة (البصيرة)، وتشرّفتْ هذه الصفحة بالتواصل مع هؤلاء الشعراء، من خلال نشر نصوصهم، وإبداعاتهم التي لا تحتاج إلا للتواصل، والاستمرارية، وبذل بعض الجهد للعطاء، ومن مثل هؤلاء المبدعين، يقف طابور طويل من الشعراء، ينتظرون الفرصة، ولكن بعضهم يهاب الظهور، أو حتى التواصل لاعتقاده أن ما يكتبه أقل من مستوى المشاركة، وهذا هو لسان حال المبدعين الحقيقيين في بداياتهم، فهم يعتبرون أن ما يكتبونه لا يرقى حتى للاستماع، لأن طموحهم يبقى دون سقف، باحثين عن الأجمل، والأفضل.

إن للمؤسسات -الحكومية والأهلية- المهتمة بالشأن الثقافي دورا في اكتشاف هؤلاء المبدعين، وانتشالهم، ورعايتهم من خلال تشجيعهم على الظهور، وتسخير وسائل الإعلام لاحتوائهم، وعلى المدارس أن تهتم بالمواهب المبتدئة، وتقدم لهم الدعم المعنوي لتقديم مواهبهم، وإبداعاتهم، وهذا الدور ينسحب كذلك على جمعيات المرأة، والأندية، ناهيك عن مؤسسات حكومية كوزارة الثقافة والرياضة والشباب، ووزارة الإعلام من خلال برامجها، إضافة إلى تفعيل التواصل المجتمعي بين جمعية الكتاب والأدباء والمبدعين، ومد يد العون لهم، واكتشاف أولئك الموهوبين الذين لا يعرفون كيف يصلون إلى وسائل التواصل الرسمية، رغم وجود بعضهم في وسائل التواصل الاجتماعي، والذين يقدمون فيها إبداعهم، ولكنها ساحة تبقى دون مستوى النقد الفني، والموضوعي الحقيقي الذي يحتاجونه كي يواصلوا مسيرتهم في طريق الإبداع الطويل.

أخيرا.. يبقى هؤلاء المبدعون ثروة وطنية يجب استثمارها، ودعمها، وتشجيعها كي يستفيد الوطن من مهاراتها، ومواهبها المتوقدة، وعلى المهتمين بالشأن الثقافي أن يعطوا وقتا أكبر لاكتشاف مثل هذه المواهب، وتنميتها ضمن مشروع ثقافي طموح، يبقى أثره واضحا على خارطة الأدب العماني بشكل عام.