اليوم العالمي للبعوض: من اكتشاف الناقل إلى الرصد الذكي
الأربعاء / 5 / ربيع الأول / 1448 هـ - 10:07 - الأربعاء 19 أغسطس 2026 10:07
ظلّت الملاريا، على مدى آلاف السنين، مرضًا غامضًا يصيب البشر في أنحاء العالم. وحتى اسم المرض، «الملاريا»، المشتق من كلمتين إيطاليتين تعنيان «الهواء الفاسد»، يعكس الالتباس الذي أحاط طويلًا بكيفية انتقاله. ولم تتضح صورة دور البعوض في دورة انتقال الملاريا إلا بعد أن اكتشف السير رونالد روس طفيليات الملاريا في أمعاء بعوض الأنوفيلس في الهند، في 20 أغسطس 1897.
كان رونالد روس يعمل في سيكوندر آباد بالهند، حيث بدأ مسعاه للكشف عما إذا كان البعوض ينقل طفيليات الملاريا التي تصيب الإنسان. وعلى مدى عامين، التبست نتائج دراساته بسبب اعتماده على أنواع من البعوض تعرف اليوم أنها غير قابلة للإصابة بالطفيلي. ومع ذلك، لاحظ ظاهرة «التسوّط» لدى طفيليات المتصورة Plasmodium داخل الوجبة الدموية في هذه الحشرات.
نجح روس في تربية عشرين بعوضة بالغة «بنية اللون» انطلاقًا من يرقات جُمعت من الطبيعة. وبعد أن عثر على متطوع، هو حسين خان، كان مصابًا بالأشكال الهلالية للملاريا الناجمة عن المتصورة المنجلية Plasmodium falciparum، التي كانت تُعرف تاريخيًا بالملاريا الخبيثة الثلاثية، دفع له ثماني آنات، أي نصف روبية، بواقع آنة واحدة عن كل بعوضة تغذّت على دمه. ثم بدأ دراسة استمرت أربعة أيام للحشرات التي امتلأت بالدم، ودوّن نتائجها في تقرير موجز أرسله للنشر.
تخيّل أن يرسل باحث اليوم تقريرًا علميًا إلى مجلة طبية مرموقة يصف فيه أجسامًا جديدة عُثر عليها في الأمعاء الوسطى لبعوضتين «بنيتين» فقط، نشأتا من يرقات جُمعت من الطبيعة، ثم غُذِّيتا على دم مريض مصاب طبيعيًا، من دون موافقات أخلاقية أو إجراءات ضبط وتجارب مكررة وفق المعايير الحديثة، فما فرصة مثل هذا التقرير في اجتياز المحرر والمراجعين؟
لحسن الحظ، حظي تقرير رونالد روس بمصير أفضل؛ فقد نشرته المجلة الطبية البريطانية في عام 1897، بعنوان «حول بعض الخلايا المصطبغة غير المألوفة التي عُثر عليها في بعوضتين تغذّتا على دم مصاب بالملاريا»، وجاءت خلاصة ملاحظاته متحفظة على نحو مفهوم:
«وخلاصة القول: تبدو هذه الخلايا استثنائية ونادرة جدًا؛ ولم يُعثر عليها حتى الآن إلا في نوع واحد من البعوض تغذّى على دم مصاب بالملاريا؛ ويبدو أنها تنمو بين اليومين الرابع والخامس؛ كما تحتوي على الصبغة المميزة لطفيلي الملاريا».
هكذا بدأت إحدى أكثر القصص تأثيرًا في تاريخ بحوث الملاريا ومكافحتها. وعلى الرغم من أن الدراسة لا تنسجم مع مفهوم البحث المضبوط والمكرر وفق المعايير الحديثة، فقد حرص روس، على نحو جدير بالتقدير، على الحصول على رأي مستقل ثانٍ بشأن طبيعة الشرائح المحضرة، ثم نشره كاملًا. وقد جاء هذا الرأي من الجرّاح الرائد جون سميث، الذي قدّم ملاحظات شديدة التفصيل.
نال روس جائزة نوبل عن هذا الاكتشاف، ومنذ عام 1930 يُحتفى باليوم العالمي للبعوض في 20 أغسطس من كل عام، تخليدًا لهذا الإنجاز المهم، وتسليطًا للضوء على أثر البعوض في صحة الإنسان ورفاهيته.
يُعَدّ البعوض من أشد الحيوانات فتكًا في العالم، وتستأثر الملاريا بالقسم الأكبر من الوفيات الناجمة عن الأمراض التي ينقلها. غير أن البعوض ينقل أيضًا عددًا من الطفيليات والفيروسات والديدان الخيطية التي تهدد صحة الإنسان. ومع ذلك، يظل عامة الناس محدودي المعرفة بالبعوض وخصائصه، وهو أمر يثير الاستغراب بالنظر إلى خطورته الصحية.
ولا تزال جوانب كثيرة من حياة البعوض وسلوكه غير مفهومة تمامًا لدى العلماء. فكيف يعثر البعوض علينا؟ وما الذي يجذبه إلى بعض الأشخاص؟ ولماذا لا تتجاوز خطورة بعض الأنواع كونها حشرات مزعجة تلسع البشر، في حين تستطيع أنواع أخرى نقل أمراض قاتلة؟ وإضافة إلى ذلك، لا يزال العلماء يكتشفون أنواعًا جديدة من البعوض ويصفونها، كما بدأت أنواع لم تكن تُعَدّ سابقًا من النواقل تُربط الآن بانتقال الملاريا.
وبينما كنت أراجع محاضرات علم التطفل والمناعة استعدادًا للفصل الدراسي الجديد، بدت لي هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا في ضوء التطورات المتسارعة في استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد البعوض والتعرّف إلى أنواعه.
يُنظر إلى البعوض عمومًا على أنه حشرة مزعجة ذات طنين حاد تؤرق الإنسان ليلًا، إلا أن أنواعه تختلف اختلافًا كبيرًا في خصائصها البيولوجية وتوزيعها الجغرافي. ويوجد أكثر من 3500 نوع من البعوض موزعة على عشرات الأجناس، من أشهرها الأنوفيلس والزاعجة والكيولكس.
ينشط بعوض الكيولكس Culex غالبًا خلال الليل، وتضع إناثه بيوضها في كتل طافية على أسطح المياه. وترتبط بعض أنواعه بنقل أمراض مثل حمى غرب النيل والتهاب الدماغ الياباني. أما بعوض الزاعجة Aedes فينشط غالبًا خلال النهار، ويتميّز بلونه الأسود وعلاماته البيضاء أو الفضية، ويتكاثر في الحاويات التي يتجمع فيها الماء، مثل الإطارات المستعملة وتجويفات الأشجار. ويستطيع نقل عدد من الفيروسات الخطرة، من بينها فيروسات حمى الضنك والحمى الصفراء وزيكا.
أما بعوض الأنوفيلسAnopheles، فيُشار إليه أحيانًا في الأدبيات الصحية باسم «القاتل الصامت»، نظرًا إلى دوره في نقل الملاريا. ومن بين نحو 460 نوعًا من هذا الجنس، ثبت ارتباط ما لا يقل عن 70 نوعًا بنقل الملاريا. وينشط البعوض البالغ عادةً بين الغسق والفجر، وتتميّز بعض أنواعه بوضعية استراحة يرفع فيها البطن بعيدًا عن السطح بزاوية تقارب 45 درجة.
وتتسبب الأمراض المنقولة بالبعوض، وفي مقدمتها الملاريا وحمى الضنك، في عبء عالمي هائل من المرض والوفاة، رغم عقود طويلة من المحاولات متعددة التخصصات للسيطرة عليها. ومن المتوقع أن تظل مكافحتها تحديًا خلال العقود المقبلة، بسبب تسارع التحضر، واتساع حركة السفر، وتزايد تجمعات البعوض وانتشارها الجغرافي. ويمكن للسيطرة على انتشار البعوض أن تحدّ من الآثار المستقبلية للأمراض التي ينقلها.
يُعَدّ التعرّف الدقيق إلى أنواع البعوض أمرًا أساسيًا، لأن المجموعات التصنيفية المختلفة تتباين في خصائصها البيولوجية، مثل تفضيل العائل وأنماط اللدغ، فضلًا عن اختلاف مناعتها الفطرية. وتؤثر هذه العوامل في كفاءتها على نقل مسببات الأمراض، كما تساعد في تصميم استراتيجيات تدخل أكثر فاعلية.وتتطلب مراقبة البعوض عادةً فحص آلاف العينات أسبوعيًا بالمجهر، ثم تحديدها إلى مستوى النوع باستخدام المفاتيح التصنيفية الثنائية. وهذه عملية تقنية تستغرق وقتًا طويلًا، ويصعب توسيع نطاقها. ومن أبرز العوائق أمام الترصّد الحيوي الفعال بطء الانتقال من جمع البيانات إلى اتخاذ القرار، بسبب الاختناقات الناتجة من النقص الحاد عالميًا في خبراء تصنيف الحشرات.
وللتغلب على هذا العائق التصنيفي وتسريع التعرّف الموثوق إلى أنواع البعوض، جرى اختبار عدد من الأساليب المؤتمتة، منها تحليل ترددات خفقان الأجنحة، وتقنيات الرؤية الحاسوبية التقليدية، ولا سيما استخدام الشبكات العصبية الالتفافية العميقة للتعرّف إلى أنواع البعوض من الصور.
والشبكات العصبية الالتفافية نوعٌ من نماذج الذكاء الاصطناعي صُمِّم أساسًا لتحليل الصور. وتتعلّم هذه الشبكات تلقائيًا اكتشاف السمات البصرية، مثل الحواف والأشكال والأنماط الدقيقة، ثم تستخدمها للتعرّف إلى الأشياء أو تصنيفها.
تُتيح الرؤية الحاسوبية إمكانات واعدة لتطوير وسائل موثوقة وقابلة للتوسع في التعرّف إلى أنواع البعوض، إذ تعتمد، على غرار خبراء التصنيف، على تحليل الصفات الشكلية والبصرية لإسناد العينة إلى نوع محدد.
ففي دراسة بارك وزملائه بعنوان «تصنيف البعوض الناقل وتحليل خصائصه المورفولوجية باستخدام الشبكات العصبية الالتفافية العميقة»، المنشورة في مجلة Scientific Reports عام 2020، حققت نماذج التعلم العميق دقة تجاوزت 97% في التمييز بين ثمانية أنواع من البعوض.
ومع ذلك، اعتمدت الدراسة جزئيًا على عينات مأخوذة من مستعمرات مخبرية، كما جُمعت الأنواع المتشابهة مورفولوجيًا ضمن فئة واحدة؛ إذ جُمعت جميع أنواع جنس الأنوفيلس في فئة تصنيفية واحدة. ويُقصد بمصطلح «الفئة» هنا مخرج التصنيف الذي يتنبأ به نموذج التعلم الآلي أثناء عملية التعرّف إلى العينات.
وفي دراسة أخرى أجراها كوريه وزملاؤه بعنوان «تحديد الاختلافات المورفولوجية الخفية بين أنواع بعوض الملاريا البشرية باستخدام الشبكات العصبية الالتفافية»، نجح النموذج في التمييز بين 17 فئة تصنيفية بدقة بلغت 96.96%. وشملت هذه الفئات أنواعًا خفية شديدة التقارب من الناحية المورفولوجية، عومل كل منها فئة مستقلة.
ولسهولة جمع العينات اللازمة لبناء قواعد الصور، اعتمدت الدراستان اعتمادًا كبيرًا على سلالات مخبرية. وقد أثار ذلك انتقادات بشأن صلاحية هذه المقاربة للاستخدام الميداني، لثلاثة أسباب رئيسة: أولًا، أن الأنواع المستخدمة في المقارنات لا تعكس بالضرورة التنوع الحيوي الطبيعي في موقع معين؛ وثانيًا، أن المستعمرات التي تتكاثر بالتزاوج الداخلي قد تفقد سريعًا بعض الصفات المظهرية، أو تصبح صفات معينة أكثر ثباتًا فيها، في حين لا تظهر هذه الصفات بالطريقة نفسها في العينات المصطادة من الحقل؛ وثالثًا، أن العينات المخبرية تكون سليمة ومحفوظة جيدًا مقارنة بالعينات المتضررة التي تُجمع عادةً بمصائد الشفط في البيئات الطبيعية، مما يثير الشك في إمكان نقل هذه التقنية إلى العمل الميداني.
وفي دراسة بعنوان «تعزيز تصنيف البعوض باستخدام التعلّم بالإشراف الذاتي»، نُشرت عام 2024 في مجلة Scientific Reports، طوّر الباحثون نموذجًا حاسوبيًا للتعرّف إلى أنواع البعوض من الصور. ويعتمد هذا النموذج على طريقة تسمح للحاسوب بتعلّم السمات البصرية المهمة، مثل شكل الجسم والأجنحة والعلامات الظاهرة عليها، من عدد كبير من الصور التي لم تُحدَّد أنواعها مسبقًا. وبعد هذه المرحلة، يحتاج النموذج إلى عدد محدود فقط من الصور التي حدّد الخبراء أنواعها، من أجل تحسين قدرته على التصنيف.
حقق النموذج دقة تجاوزت 96.77% في التعرّف إلى أنواع البعوض من الصور، كما أظهر قدرة مرتفعة على التمييز الصحيح بين الأنواع، مع انخفاض عدد الحالات التي صُنّفت خطأ. ومن أبرز نتائج الدراسة أن تدريب النموذج باستخدام 10% فقط من الصور المصنفة أعطى نتائج قريبة من تلك التي تحققت عند استخدام مجموعة الصور كاملة.
ومن واقع العمل الأكاديمي وتدريس علم التطفل والمناعة، أرى أن مستقبل الرصد الذكي للبعوض يتطلب بناء أنظمة تنطلق من البيئات المحلية، بدل الاكتفاء بتطبيق نماذج عالمية جاهزة من دون تكييفها معها. فلكل منطقة أنواعها السائدة، وظروفها المناخية، وأنماطها العمرانية، وطرائقها في جمع العينات. لذلك، ينبغي للجامعات ومؤسسات الصحة العامة إنشاء قواعد بيانات محلية تضم صورًا لعينات سليمة ومتضررة جُمعت من البيئة الطبيعية، وترتبط بالمعلومات الجغرافية والمناخية والوبائية. ويمكن مشاركة هذه البيانات، وفق معايير موحدة، ضمن منصات عالمية تساعد على تطوير نماذج أكثر تنوعًا وقدرة على العمل خارج المختبر. وبهذه المقاربة، تتكامل الأولويات المحلية مع الأهداف العالمية.
وبعد أكثر من قرن على شرائح رونالد روس وبعوضتيه البنيتين، لم تعد المعركة ضد البعوض تُخاض بالفحص المجهري فحسب؛ فقد دخلت إليها المستشعرات، وخوارزميات التعلّم الآلي. ومع ذلك، سيظل نجاح هذه الأدوات مرهونًا بقدرتها على العمل في الحقول والمدن التي يعيش فيها البعوض والناس معًا.
سعد صبار السامرائي جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بالرستاق