هل تعيد الخوارزميات إنتاج مشكلة الإيحاء في العلاج النفسي؟
الأربعاء / 5 / ربيع الأول / 1448 هـ - 10:08 - الأربعاء 19 أغسطس 2026 10:08
«هل والدتك نرجسية؟»، «علامات جرح الأب»، «كيف تعرف أنك تعاني من تعلق قلق؟»، «هل تعرف نفسك خارج توقعات أسرتك؟» مواضيع شاعت على الشبكات الاجتماعية واعدة بتفسير القلق، وصعوبات العلاقات، وضعف تقدير الذات، من خلال مسائلة التاريخ العائلي باستخدام بضعة مفاهيم نفسية تقدم في أقل من دقيقة.
في الجهة الأخرى يزيد الاهتمام البحثي والأكاديمي بالظواهر المتعلقة بالإيحاء وزراعة ذكريات مزيفة حول التعرض لإساءة الآباء ومقدمي الرعاية في سني الطفولة المبكرة.
في تسعينيات القرن الماضي شهد المجال واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، فيما عُرف بـ«حروب الذاكرة» (Memory Wars)، وهو نقاش دار حول طبيعة الذاكرة البشرية، وإمكانية استعادة ذكريات غابت سنوات طويلة، ومدى تأثير الإيحاء في الطريقة التي يتذكر بها الإنسان ماضيه.
بدأ هذا الجدل بعد أن أفاد بعض الأشخاص بأنهم استعادوا، خلال العلاج النفسي، ذكريات عن تجارب إساءة لم يكونوا يتذكرونها من قبل. رأى عدد من الباحثين أن بعض الأساليب العلاجية المستخدمة آنذاك ربما شجعت -من دون قصد- على تكوين ذكريات غير دقيقة. ما جعلهم مهتمين بمعرفة المدى والكيفية التي يؤثر بها مسار النقاش وطريقة طرح الأسئلة بالتفسيرات التي يتبناها الإنسان عن ماضيه.
ومن أبرز الباحثين الذين أسهموا في هذا النقاش عالمة النفس إليزابيث لوفتوس. ففي دراستها الشهيرة مع جاكلين بيكرل عام 1995، أُبلغ بعض المشاركين، استنادًا إلى معلومات قدمها أحد الوالدين، بأنهم ضلوا طريقهم في مركز تجاري وهم أطفال، رغم أن الحادثة لم تقع في الواقع. وبعد عدة مقابلات، بدأ بعض المشاركين في وصف تفاصيل مرتبطة بالحدث المقترح، وهو ما أبرز قابلية الذاكرة للتأثر بالإيحاء في ظروف تجريبية محددة. ولم يتوقف هذا النقاش عند الدراسة الأصلية؛ ففي دراسة مسجلة مسبقًا نُشرها جيليان ميرفي عام 2023، أعاد باحثون اختبار تجربة «الضياع في المركز التجاري» ووجدوا نتائج تتوافق مع الاستنتاج الأساسي المتعلق بإمكانية تشكل ذكريات عن أحداث لم تقع، مع استمرار النقاش العلمي حول كيفية تعريف هذه الذكريات وقياسها.
في دراسة نشرها هنري أوتغار وزملاؤه عام 2022، وثّق الباحثون قضية جنائية إيطالية انتهت بحكم قضائي خلص إلى أن معالجًا نفسيًا ساهم في تكوين ذكريات زائفة عن الإساءة لدى فتاة. وبالاستناد إلى مقتطفات من جلسات العلاج، وجد الباحثون أن المعالج استخدم أسئلة إيحائية متكررة تضمنت افتراضات حول تعرض الفتاة للإساءة من والدها، إلى جانب تدخلات علاجية رأى الباحثون أنها قد تؤثر في الذاكرة، خصوصًا إن أتت من موقع سلطة أو ثقة. ووفق تحليلهم، لم تكن الفتاة تتذكر تعرضها للإساءة قبل العلاج، ثم بدأت خلال الجلسات في استعادة ذكريات عن الإساءة وتحديد والدها بوصفه المعتدي. توضح هذه القضية أن الإيحاء داخل السياق العلاجي ممكن بل وأن له عواقب حقيقية وخطيرة.
ثمة مع هذا أبحاث تعارض ذلك. ففي مراجعة علمية نشرها كريس بروين وبرنيس أندروز عام 2017 من جامعة UCL البريطانية بعنوان «إلى أي مدى يتحمل المعالجون مسؤولية تكوين الذكريات الزائفة عن إساءة معاملة الأطفال؟»، ناقش الباحثان الأدلة المتعلقة بتكوين الذكريات الزائفة في السياق العلاجي، وأشارا إلى أن الدراسات التي تنجح في إقناع المشاركين بوقوع أحداث مختلقة غالبًا ما تستخدم ظروفًا قوية من الإيحاء، مثل التكرار والمعلومات المضللة وأحيانًا الخداع. وهذا يعني أن الذاكرة قابلة للتأثر، لكن تأثير الإيحاء ليس عملية بسيطة يمكن اختزالها في فكرة أن أي اقتراح سيؤدي تلقائيًا إلى اختلاق ذكرى كاملة.
ثمة بالطبع قواعد وإرشادات مهنية يطمح المعالجون إلى الالتزام بها. لكن وجود الإرشادات لا يضمن حماية المراجعين والمرضى. فالعلاقة العلاجية تقوم على قدر كبير من الخصوصية والسرية والثقة، ولا تخضع الجلسات عادةً للمراقبة؛ لهذا قد تمر الممارسات الإيحائية غير المقصودة دون رصد أو ملاحظة؛ ليبدأ المراجع في إعادة قراءة تجاربه وذكرياته من خلال التفسيرات التي يقترحها الحديث.
لكن، ماذا يحدث عندما يصبح التعرض للأفكار النفسية جزءًا من الحياة اليومية؟ فبدل أن يقتصر الأمر على جلسة علاج، أصبح الإنسان يتعرض يوميًا لعشرات المقاطع والمنشورات التي تقدم تفسيرات جاهزة لمشاعره وعلاقاته. فبضع دقائق من تصفح وسائل التواصل الاجتماعي قد تقود المستخدم إلى الاعتقاد بأن قلقه سببه «جرح الطفولة»، أو أن صعوبة ثقته بالآخرين تعود إلى «التعلق القلق»، أو أن سعيه المستمر لإرضاء الآخرين دليل على أنه نشأ في «أسرة نرجسية». خصوصًا وأن الإنسان بطبيعته مجبول على صناعة المعنى، وفي سعي لا يتوقف عن إيجاد قصة تفسر معاناته وتمنحها إطارًا مفهومًا. وعندما يواجه القلق أو صعوبات العلاقات، فإنه لا يبحث فقط عن علاج، بل يبحث أيضًا عن تفسير. وتوفر التفسيرات شعورًا بالسيطرة على الأحداث، حتى وإن لم تكن قادرة على الإحاطة بكل تعقيداتها. ولهذا تبدو التفسيرات البسيطة جذابة؛ فهي تختزل شبكة معقدة من العوامل البيولوجية والاجتماعية والنفسية في سبب واحد يسهل فهمه.
وتزداد قوة هذه التفسيرات في بيئة رقمية تقوم خوارزمياتها على عرض محتوى مشابه لما سبق أن تفاعل معه المستخدم. فكلما شاهد مقاطع عن «الطفل الداخلي» أو «الصدمة» أو «التعلق»، ازدادت احتمالات ظهور محتوى يقدم التفسير نفسه بصيغ مختلفة، ما قد يخلق انطباعًا بأن هذا الإطار هو التفسير الأكثر شيوعًا أو دقة، في حين أن الواقع النفسي يكون عادةً أكثر تنوعًا وتعقيدًا.
في العلاج النفسي، يأتي الإيحاء من شخص يمتلك سلطة مهنية وعلاقة مباشرة بالمراجع؛ أما في البيئة الرقمية، فيأتي من التعرض المتكرر للرسالة، إلى أن يبدو التفسير المقترح وكأنه وصف بديهي لتجربته الشخصية، وإن أتى من أشخاص لا تربطه بهم معرفة.
تخلق البيئة الرقمية نوعًا متكررًا، سريعًا، واسعًا، وشخصيًا بدرجة كبيرة من التعرض. وبمجرد أن يتبنى الإنسان تفسيرًا معينًا، قد يصبح أكثر ميلًا إلى ملاحظة التجارب التي تؤيده وتذكرها، وأقل انتباهًا إلى التجارب التي لا تنسجم معه. وبذلك لا يحتاج المحتوى الرقمي إلى «زرع» ذكرى جديدة في ذهن المستخدم حتى يؤثر فيه؛ يكفي أحيانًا أن يقدم له عدسة معينة ينظر من خلالها إلى ذكرياته الموجودة أصلًا.
قد تكون هذه الأُطر النظرية لتفسير المرض النفسي وأنماط الشخصيات صحيحة وقد لا تكون، لكنها فوق ذلك قد تنطبق أو لا تنطبق على الأفراد الذين عادة ما يكونون هشين، بحاجة للمساعدة، وعرضة للتأثر السريع خصوصًا في غياب الدعم والخبرة التي يقدمها المختص.
تبدأ المشكلة عندما تتحول هذه الأطر من أدوات لتقديم تفسيرات محتملة إلى معاملتها كمعرفة علمية حاسمة تحمل إجابات نهائية عن الماضي. وهذه الفكرة حاضرة، في أعمال الطبيب والمحلل النفسي البريطاني دونالد وينيكوت، الذي طرح مفهوم «الأم الجيدة بما يكفي» (Good Enough Mother). حيث لا يُتوقع من الأم أن تكون مثالية، بل يكفي أن توفر بيئة رعاية تستجيب لاحتياجات الطفل بصورة كافية في المراحل المبكرة، ثم تسمح له تدريجيًا بمواجهة قدر من الإحباط والواقع الذي لا يستجيب دائمًا لكل احتياجاته. ومن خلال هذا الانتقال، يتعلم الطفل تدريجيًا التعامل مع واقع مستقل عنه وتطوير قدرته على التكيف والاستقلال. ويناقش وينيكوت أن هذه الفكرة تساعد على الابتعاد عن التصور الحتمي للطفولة: فالتجارب المبكرة مهمة، لكنها ليست حكمًا نهائيًا على شخصية الإنسان أو علاقاته المستقبلية. فالإنسان لا يتوقف عن التطور عند انتهاء طفولته؛ إذ يمكن للعلاقات الجديدة، والخبرات اللاحقة، والوعي بالذات، والعلاج النفسي، أن تضيف إلى قصته وتغير الطريقة التي يفهم بها ما مر به.
وقد يكون الجواب أننا نحتاج إلى اللغة النفسية حتى نفهم أنفسنا، لكننا نحتاج في الوقت نفسه إلى تذكر أن هذه اللغة لا تقدم دائمًا تفسيرًا نهائيًا. قد تؤثر الطفولة فينا، لكننا نستمر في التغير بعدها؛ وقد تؤثر فينا الأفكار التي نتعرض لها، لكننا لسنا مجرد مستقبلين سلبيين لها. وبين هذين الطرفين توجد مساحة واسعة للتجربة، وإعادة التفسير، والتعلم، وبناء علاقات جديدة يمكن أن تغير الطريقة التي نفهم بها أنفسنا وماضينا.
وربما تكمن المفارقة في أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في رفع وصمة العار عن التحديات النفسية، وفي جعل اللغة النفسية جزءًا من الحياة اليومية، وهو إنجاز لا ينبغي التقليل من قيمته. لكنها، في الوقت نفسه، شجعت أحيانًا على البحث عن إجابات سريعة لأسئلة لا تحتمل الإجابات السريعة. فالخوارزميات تكافئ المحتوى القابل للتدوير والتفاعل الذي عادة ما يكون مباشرًا ويقدم بنبرة واثقة وحاسمة، بينما تميل المعرفة العلمية إلى تقدير السياقات والتعقيدات وتفتقر للقطعية.
في نهاية المطاف، ربما تكون المعرفة النفسية أكثر فائدة عندما تدفعنا إلى طرح أسئلة أفضل عن أنفسنا، لا عندما تقنعنا بأننا وجدنا الإجابة النهائية.
سارة علي متخصصة في الإعلام الرقمي والاتصال، ومهتمة بالتحول الرقمي والسيكولوجي