عمان العلمي

ثمن ليلة قصيرة

 

ثلاثة أشخاص يقطنون بيتا واحدا، يغالبون السهر كل ليلة، وثلاثة أدمغة تدفع الثمن في الصباح بصمتٍ لا يلاحظه أحد. 

السادسة والنصف صباحا؛ أحمد لا يزال في فراشه رغم نداءات أمه المتكررة للمرة الرابعة، وعيناه تقاومان الضوء وكأنهما لم تألفا النهار قط. وفي الغرفة المجاورة، يجلس أخوه سامي، ذو الستة عشر عاما، على حافة سريره يحدق في الجدار بذهول، قبل أن تمتد يده للهاتف تلقائيا. أما في المطبخ، فيحتسي الأب قهوته الثانية ليُكمل يوما لم ينتهِ منه أساسا. 

لم أخترْ هذا المشهد لأنه استثنائي، وإنما لأنه أشدُّ ما يكون عاديا؛ فهو قصة تتكرر بكل تفاصيلها في كل مدينة عربية، مع كل صباح. وما لا نراه فيه هو ما اقترفته ليلةُ أمس في حق أدمغة هؤلاء الثلاثة. 

نام أحمد، ذو التسعة أعوام، في الحادية عشرة ليلا؛ لأن البيت بأكمله لم يأوِ إلى الفراش قبله. أما سامي، فقد غلبه النوم في الثانية فجرا بعد ساعتين من التصفح اللامبالي لهاتفه. وفي المقابل، لم ينعم الأب بقسطٍ كافٍ من النوم منذ أشهر، ولا يرى في ذلك مشكلة. 

ففي المرحلة العمرية ما بين السادسة والثانية عشرة، يقوم دماغ الطفل بعملية استثنائية لا تتكرر، إذ يعيد بناء نفسه أثناء النوم؛ ففي مراحل النوم العميق، يعالج الدماغ حصيلة يوم الطفل، فيرسّخ الوصلات العصبية الضرورية ويقلّم ما لا يحتاجه، وهي عملية لا تتم بكفاءة إلا بنومٍ متصلٍ وكافٍ. ولهذا توصي الأكاديمية الأمريكية لطب النوم، وتؤيدها أكاديمية طب الأطفال الأمريكية، بأن ينام الطفل في هذه المرحلة العمرية ما بين تسع إلى اثنتي عشرة ساعة يوميا، والمراهق من سن الثالثة عشرة إلى الثامنة عشرة ما بين ثماني إلى عشر ساعات. 

والفجوة بين هذه التوصيات وما يجري في بيوتنا موثّقة عربيا، وليست مستوردة من أدبيات الغرب. ففي دراسة أجراها فريق من جامعة الملك عبدالعزيز في جدة، ونُشرت في مجلة (Sleep Medicine) عام ٢٠١٤، شملت ألفًا وخمسة وثلاثين طالبا في المرحلة الثانوية، فتبيّن أن متوسط نومهم في ليالي الدراسة لا يتجاوز سبع ساعات، وأنهم يعوّضون ذلك في نهاية الأسبوع بتأخير موعد النوم نحو ساعتين ونصف، وموعد الاستيقاظ ست ساعات كاملة. وفي الكويت، أظهرت دراسة ميدانية أُجريت ضمن مشروع (أنماط حياة الفتى العربي / Arab Teens Lifestyle Study) على تسعمائة وستة مراهقين أن نحو ثلاثة أرباعهم، من الجنسين، ينامون ست ساعات أو أقل في اليوم. أعترفُ أن رقما واحدا في دراسة جدة استوقفني طويلا؛ وهو أن طالبا من بين كل عشرة يسهر الليل بأكمله، ثم ينام بعد عودته من المدرسة، ما يعني أن دورة نومه لم تقصر فحسب، وإنما انقلبت رأسا على عقب. هذه الأرقام تؤكد أن ما ألمسه في قاعتي الدراسية ليس انطباعا شخصيا، وإنما هو واقعٌ إقليميٌّ مُثبت. أما في سلطنة عُمان، فالمكتبة العلمية ليست خالية. ففي عام 2020، أجرى باحثون من جامعة السلطان قابوس دراسة على طلبة الجامعة الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و25 عاما، ووجدوا أن التعثر الأكاديمي لدى الطالبات -الذي يكون بالحصول معدل تراكمي لا يتجاوز 2 من 4- يرتبط ارتباطا ذا دلالة إحصائية باضطرابات نوم محددة، في حين لم يظهر هذا الارتباط لدى الطلاب. ومع ذلك، ما زلنا نفتقر إلى دراسة عُمانية حديثة تربط بين نوم أطفال المدارس ومراهقيها وأدائهم الدراسي أو نمو أدمغتهم. وهي فجوة يتجاوز أثرها الأوراق العلمية ليصل إلى واقع كل بيت. 

ولا يقتصر الفارق بين هذه الأرقام والواقع المعيش على الشعور بالتعب فحسب؛ فقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2021 في مجلة (Molecular Psychiatry)، أن الأطفال الذين يحصلون على قسط أقل من النوم لديهم حجم أصغر في مناطق محددة من الدماغ، منها القشرة الجبهية الأمامية مقرّ التخطيط وكبح الاندفاع، والقشرة الصدغية موطن الذاكرة واللغة، وقشرة الفص الجبهي الحجاجي التي تضبط الانفعال وتوازن بين المكافأة والكلفة. كما توصل الباحثون إلى أن المشكلات النفسية، وعلى رأسها أعراض الاكتئاب، هي الرابط الأساسي بين قلة النوم وتراجع الأداء المعرفي بعد مرور عام. ولم يكن هذا الأثر عابرا؛ فدراسة من جامعة ميريلاند نشرتها مجلة Lancet لصحة الطفل والمراهق عام 2022 تابعت المجموعة ذاتها عامين كاملين، فوجدت أن الفروق لم تتلاشَ مع مرور الوقت. 

تُطمئن أم أحمد نفسها بأن ابنها سيعوّض ما فاته يوم الجمعة، وهذا تحديدا ما لا يستطيع الدماغ النامي فعله؛ فالنوم الطويل في عطلة نهاية الأسبوع قد يخفف من الشعور بالنعاس، لكنه لا يعوّض الليالي الفائتة ولا الروابط العصبية التي كان يُفترض بناؤها خلالها، فالدماغ ليس مصرفا يمكننا سحب ما أهملنا إيداعه فيه في وقته المناسب. 

ويعلم سامي أنه يسهر كثيرا، لكنه يجهل أن هاتفه يتلاعب بساعته البيولوجية؛ فالضوء المنبعث من شاشته القريبة من وجهه يرسل إلى دماغه رسالة واضحة بأن النهار لم ينتهِ بعد. وقد أثبت فريق من كلية الطب بجامعة هارفارد ومستشفى Brigham and Women’s ذلك في دراسة نُشرت عام 2015 في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS)، حيث تبيّن أن القراءة من جهاز مضيء قبل النوم تُخفّض إفراز هرمون الميلاتونين بنحو 55% مقارنة بالقراءة في كتاب ورقي، كما أنها تُؤخّر الساعة البيولوجية، وتُقلّص فترات (نوم حركة العين السريعة) وتُؤخّر توقيتها، مما ينعكس سلبا على اليقظة في صباح اليوم التالي. 

وأخطر ما في هذا الخلل في الساعة البيولوجية أنه يصيب القشرة الجبهية الأمامية نفسها، وهي منطقة لا يكتمل نضجها إلا في منتصف العشرينيات. فالمراهق الذي يكتفي بخمس ساعات من النوم يتخذ قراراته بدماغ يعمل بأقل من طاقته، ولا يدرك هذا القصور. 

بصفتي أستاذا جامعيا، لا أنقل استنتاجات أوراق بحثية، بل أرصد واقعا أعايشه في قاعات الدراسة كل فصل؛ ففي محاضرات الصباح الباكر، أرى وجوها حاضرة بأجسادها، لكن أذهانها في مكان آخر. ليس الأمر تهاونا أو كسلا، إنه إرهاق ناتج عن قلة النوم. وغالبا ما يصارحني الطلاب بذلك دون حرج، إذ يفتخر أحدهم بسهره طوال الليل، وكأن (مواصلته) دون نوم شارة شرف يستحق التباهي بها. وما ينبغي أن يوقفهم أن دراسة وجدت أن نمط السهر الكامل كان أكثر شيوعا بين الطلاب أصحاب المعدلات الأكاديمية الأدنى. وما يقلقني أكثر من محاضرة الصباح هو محاضرة الرابعة عصرا؛ إذ يفترض المنطق أن يكون الطالب قد استيقظ منذ ساعات وصفا ذهنه، لكن الواقع أن مَن يسهر حتى الفجر يصل إلى ما بعد الظهر في حالةٍ أقرب إلى الانطفاء. ينعدم التركيز، وتتلاشى المعلومة فور سماعها؛ لأن الدماغ المرهق يعجز عن التمييز بين ما يستحق الحفظ وما لا يستحقه. وأتساءل أحيانا وأنا أقف أمام قاعةٍ نصفُها شارد: هل نقيس قدرة هؤلاء الطلاب حقا، أم نقيس ما تبقّى من طاقتهم بعد ليالٍ متراكمة من الحرمان؟ 

يظن الأب أن حالته استثنائية؛ فهو بالغٌ اعتاد السهر ويعتقد أنه يعمل بكفاءة رغم قلّة نومه، غير أن العلم فَنَّد هذا الاعتقاد منذ أكثر من عقدين. ففي تجربةٍ أجراها فريق (هانز فان دونجن Hans بجامعة بنسلفانيا)، ونُشرت في مجلة (Sleep) عام 2003، قُسّم المشاركون إلى مجموعات نامت أربع أو ست أو ثماني ساعات يوميا لمدة أسبوعين. أظهرت النتائج أن العجز في مجموعتي الساعات الأربع والست يتراكم يوما بعد يوم حتى وصل إلى مستويات تُضاهي ما يحدث بعد ليلة أو ليلتين من الحرمان الكامل. لا أخفي أن أكثر ما أزعجني في هذه التجربة ليس نتائجها الرقمية، لكن عدم إدراك المشاركين لمدى تراجع مستواهم؛ فالدماغ حين يرهق يفقد قدرته على تقييم مدى إرهاقه. 

من السهل تحميل الأسرة وحدها المسؤولية، لكن المشهد أوسع من ذلك بكثير؛ فتطبيقات المحتوى التي يمسك بها المراهق في فراشه مصممة خصيصًا لإطالة مدة بقائه عليها، وخوارزمياتها لا تكتفي بتقديم ما يرغب، وإنما تعرض له ما يجعل التوقف عن التصفح أمرًا بالغ الصعوبة. لذا، فإن الطفل الذي يحاول إغلاق هاتفه لا يصارع مجرد عادة سيئة، فهو يواجه منظومة هندسية صُممت لضمان خسارته. وتكتمل فصول هذه المعضلة في الجدول الدراسي؛ إذ أوصت أكاديمية طب الأطفال الأمريكية -في وثيقة سياسات نشرتها مجلة (Pediatrics) عام 2014- بألا يبدأ الدوام في المدارس المتوسطة والثانوية قبل الثامنة والنصف صباحًا، مراعاةً لتأخر الإيقاع البيولوجي الطبيعي في سن المراهقة. وهكذا، يجد الطالب نفسه مضطرًا للنوم متأخرًا والاستيقاظ مبكرًا، ليدفع ثمن قرارين لم يشارك في اتخاذ أي منهما. هنا أجد لزامًا عليّ أن أكون صريحًا؛ فهذه التوصية استندت إلى دراسات أُجريت على مراهقين ونظام مدرسي في الولايات المتحدة، في حين تبدأ مدارسنا في المنطقة اليوم قبل الثامنة والنصف بكثير. ولا أعرف دراسة عربية واحدة طرحت السؤال الجوهري: ما الذي سيحدث فعلًا لو تأخر بدء الدوام الدراسي ساعة أو ساعة ونصف؟ وهو تساؤل قابل للقياس ولا يتطلب تجهيزات معقدة؛ إذ يكفي أن تختار وزارة التربية مجموعة من المدارس لتأخير دوامها فصلًا دراسيًا كاملًا، ثم تُقارن النتائج قبل وبعد التجربة وفق مؤشرات محددة، مثل: معدلات الحضور والتأخر الصباحي، ودرجات المواد الدراسية في الحصص الأولى. وحتى تُجرى مثل هذه الدراسة، سنظل ننقل توصيات صالحة لبيئة تختلف عن بيئتنا، ونطالب أبناءنا بالتكيف مع جدول لم يُختبر أثره عليهم. 

لا يقدم هذا الملف حلًا وحيدًا. ومع ذلك، ثمة خطوات متفق عليها في الأدبيات العلمية تُحدث فرقًا ملموسًا؛ أولها الابتعاد عن الشاشات لساعة كاملة قبل النوم، مما يمنح الدماغ فرصة لاستئناف إفراز هرمون الميلاتونين؛ ولا يقل عن ذلك أهميةً تثبيت وقت الاستيقاظ في أيام العطلات؛ لأن تأخيره لساعتين أو ثلاث يُزيح الساعة البيولوجية، ويجعل صباح يوم العمل أشبه بالهبوط من رحلة جوية عابرة للقارات، وهي ظاهرة يسميها الباحثون (الاختلاف الزمني الاجتماعي Social Jetlag) الذي تكلمت عنه في العدد السابق. ثم تأتي الإضاءة الخافتة بعد العشاء وغرفة أبرد قليلًا، لأن الجسم يحتاج إلى انخفاض طفيف في حرارته الداخلية ليدخل مراحل النوم العميق. 

إنَّ أبلغَ هذه الخطواتِ أثرًا وأقلَّها قولًا هي القدوة؛ فالأطفالُ لا يمتثلون لما يُقالُ لهم، وإنما لما يرونَه أمامَهم. فالأسرةُ التي يلتزمُ كبارُها بالنومِ مبكرًا، تغرسُ هذا السلوكُ في البيتِ كعادةٍ طبيعيةٍ لا كاستثناءٍ يتطلّبُ التفاوضَ كلَّ ليلة. ولا يقلُّ عن ذلك أهميةً فتحُ بابِ الحوارِ مع الابن، فالمراهقُ الذي يُدركُ (لماذا) يحتاجُ إلى النومِ، لا (متى) يجبُ أن ينامَ فقط، يتعاملُ مع الأمرِ بوعيٍ مختلف؛ فإخبارُه بأنَّ الضوءَ المنبعثَ من جهازهِ يعيقُ هرمونَ النومِ ليس مجردَ محاضرة، وإنما معلومة تمنحُه القدرةَ على اتخاذِ القرارِ الصائب. 

لا يُعدّ السهر في ثقافتنا العربية مجرد عادة فارغة، فهو مساحة للدفء والسمر والترابط الأسري، وفي المقابل، يُعد البكور قيمةً راسخةً ترتبط بالعبادة والنظرة الواعية لقيمة الوقت. واللافت أن هذه القيمة تتناغم مع ما يقرره علم الأعصاب اليوم من أن الدماغ البشري يعمل بكفاءة أعلى حين يتوافق إيقاعه الداخلي مع ضوء النهار، وأن ما يكسر هذا التوافق هو السهر الطويل، لا البكور في حد ذاته. 

وهنا الفارق الذي تغفل عنه كثيرٌ من البيوت؛ فالبكور فضيلةٌ تُستمد من ليلٍ هادئ. إنَّ السهر العائلي حتى منتصف الليل يليه استيقاظ في السادسة صباحًا لا يجمع بين الفضيلتين، وإنما يلغي إحداهما ويحرم الطفل من نومٍ عميقٍ لا يُعوَّض. 

ولم تعد المسألة شخصية؛ فجيلٌ ينمو بنومٍ ناقص هو جيلٌ أقلُّ تركيزًا، وأسرعُ غضبًا، وأضعفُ في اتخاذ القرار. لا يتوقف أثر ذلك عند حدود الفصول الدراسية، فهو يمتد إلى بيئات العمل وجودة القرارات التي سيتخذها هؤلاء حين تؤول إليهم دفة البلاد. وتتراكم الأدلة اليوم لتؤكد أن الحرمان المزمن من النوم في سن المراهقة يرتبط طرديًا بارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق. 

في نهاية تلك الليلة، بينما كان الأب يجلس أمام التلفاز، وأحمد يقلّب الرسوم المتحركة على جهازه، وسامي غارق في هاتفه، لم يكن أحد منهم يكترث لما يدور في عقله. كانوا جميعًا مستغرقين في اللحظة الراهنة، وهذا مفهومٌ تمامًا. لكن الدماغ لا يكتفي باللحظة؛ فهو يحسب السنين، ويراكم التبعات، ويبني أو يهدم في الخفاء. إنَّ الطفل الذي يسهر الليلة لا يدفع الثمن في صباح اليوم التالي فحسب، وإنما يمتد الأثر إلى اختبارٍ لا يسترجع فيه ما درس، وإلى شرودٍ يجهل أسبابه، ومزاجٍ لا يدرك تفسيره، وصولًا إلى الطالب الجامعي الذي يحدّق في السبورة كأنه ينظر من نافذة قطارٍ لا تعنيه محطاته. وحين أقف أمام ذلك الطالب في قاعتي، أعرف أن الليل هو من أوصله إلى هنا. إنَّ الجيل اليقظ لا يُصنع في قاعات الدرس وحدها، وإنما في تلك الساعة التي تُطفأ فيها الشاشات وتُغمض فيها العيون. 

د. مازن العبيدي أستاذ مساعد في جامعة التقنية والعلوم التطبيقية