رأي عُمان

لماذا ينبغي أن يكون استقرار سوريا مشروعا عربيا؟

 

وصلت إلى ميناء طرطوس قبل أيام شحنات من القمح والإسمنت عبر رصيف كانت تستخدمه القوات الروسية. يحمل الخبر صورة مكثفة للحظة السورية الراهنة: القمح لاستعادة شروط الحياة، والإسمنت لإعادة بناء ما دمرته الحرب، والمرفأ ليستعيد وظيفته المدنية بعد سنوات كان فيها جزءا من خريطة النفوذ العسكري الأجنبي. غير أن انتقال سوريا من ساحة تتقاسمها القوى إلى دولة تستعيد سيادتها يحتاج إلى جهد عربي منظم تتلاقى فيه المسؤولية الأخلاقية مع المصلحة الاستراتيجية. 

تحققت خلال الأشهر الماضية خطوات مهمة في إعادة توحيد البلاد، فقد بدأ تنفيذ اتفاق دمج مؤسسات الشمال الشرقي وقواته ضمن الدولة، وانعقد مجلس الشعب الجديد وعاد نحو 1.77 مليون سوري من الخارج منذ ديسمبر 2024. وفي المقابل، لا تزال عقدة السويداء من دون تسوية نهائية، وتبقى جراح العنف في الساحل والجنوب مفتوحة فيما تواصل إسرائيل احتلال مواقع سورية وتنفيذ الغارات والتوغلات. وبين هذا وذاك تقف سوريا أمام فرصة تاريخية يمكن أن تتحول سريعا إلى انتكاسة جديدة. 

سوريا الجديدة التي تستحق الدعم هي الدولة التي يستعيد فيها السوريون وحدتهم وحقهم في تقرير مستقبلهم، ويقوم استقرارها على احتكار الدولة للسلاح، وخضوع مؤسسات الأمن للقانون وتمثيل جميع المكونات وضمان الحقوق المتساوية وقيام عدالة انتقالية تمنح الضحايا حقهم في الحقيقة والمساءلة. لذلك ينبغي أن يرتبط الدعم العربي بمسار مؤسسي واضح وأن تُقاس السلطة الانتقالية بقدرتها على بناء الثقة مع جميع مكونات المجتمع السوري عرقيا ومذهبيا ودينيا وعلى تحويل الانتماء الوطني إلى أساس للمواطنة. 

الفراغ في سوريا لا يبقى داخل حدودها، فقد دفعت الدول العربية خلال أربعة عشر عاما أثمان انهيارها في صورة موجات لجوء وشبكات مخدرات وسلاح وتنظيمات متطرفة وحدود مضطربة وتدخلات إقليمية ودولية متنافسة. وكل ضعف جديد في الدولة السورية يفتح مساحة إضافية لقوة أجنبية أو جماعة مسلحة كي تكتب جزءا من مستقبل البلاد. ومن هنا يصبح العمل من أجل استقرار سوريا استثمارا في الأمن العربي، لأن كلفة منع الحرب أقل كثيرا من كلفة إدارتها بعد اندلاعها. 

ويمتلك العرب أدوات مؤثرة لتحقيق ذلك، فقد أعادت السعودية وقطر، عبر تسوية متأخرات سوريا للبنك الدولي، فتح باب التمويل الدولي أمامها، كما أُعلنت اتفاقات واستثمارات عربية في الكهرباء والموانئ والاتصالات والطيران، إلا أن الاتفاقات الثنائية المتفرقة تحتاج إلى رؤية عربية جامعة تحدد الأولويات وتمنع تحول إعادة الإعمار إلى سباق على الأصول السورية. وتأتي الكهرباء والمياه والزراعة والمدارس والمستشفيات وإزالة الألغام ودعم البلديات في مقدمة هذه الأولويات، لأنها تعيد بناء الحياة اليومية وتوفر شروط العودة الآمنة والمستدامة. 

وتحتاج سوريا إلى مجموعة اتصال عربية دائمة وصندوق متعدد السنوات للتعافي وبرنامج يساعدها على إصلاح الإدارة والقضاء وأجهزة الأمن. كما تحتاج إلى مظلة دبلوماسية تدافع عن سيادتها وتطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للمواقع التي استولى عليها بعد سقوط النظام السابق، وتحمي البلاد من الانجرار إلى الصراعات الدائرة حولها. وأحد أهم مظاهر السيادة في سوريا خلال هذه الفترة يتمثل في قدرتها على منع تحويل أراضيها إلى امتداد لحروب الآخرين 

وعلى دمشق، من جهتها، أن تطمئن السوريين إلى أن ما يُبنى اليوم لن يعيدهم إلى ما خرجوا منه، فأموال الإعمار تحتاج إلى قواعد واضحة تحميها من المحسوبية، وحصر السلاح في يد الدولة يحتاج إلى قانون يضبط استخدامه، والعدالة تفقد معناها إذا شعر فريق من السوريين أنها تطبّق عليه وحده. وما تحتاجه البلاد في هذه المرحلة هو تفاهم وطني يشعر معه كل سوري، أيًّا كان دينه أو قوميته أو منطقته، أن الدولة دولته، وأن له فيها الأمن والكرامة والنصيب في المستقبل. 

أمام العرب اليوم فرصة للانتقال من الإنفاق على نتائج الانهيار السوري إلى الاستثمار في منع تكراره. وإذا استطاعت سوريا أن تستعيد وحدتها ومؤسساتها واقتصادها، فإن المشرق العربي كله سيصبح أكثر أمنا وترابطا وقدرة على مواجهة أزماته، وكل تباطؤ عربي في هذه المرحلة سيترك مساحة أوسع للقوى التي ترى في ضعف سوريا فرصة دائمة للنفوذ.