جولة جديدة لفوز التعددية
الاحد / 2 / ربيع الأول / 1448 هـ - 22:24 - الاحد 16 أغسطس 2026 22:24
تكشف الديمقراطيات المعاصرة اليوم مفارقات الخطاب السياسي لبعض القادة مع ادعاء الكثير منهم مثاليات الديمقراطية المعاصرة، ويتصدر خطاب الرئيس الأمريكي قائمة التناقضات في خطابه المبني على تقييد الآخر أو التشكيك في انتمائه، في الوقت الذي تحتفي فيه هذه الديمقراطيات بمبادئ المساواة والتعددية. الجدل في مفارقة تقديم الرئيس نفسه مدافعًا عن الحرية في مواجهة الأنظمة القمعية وحارسا للعدالة لشعوب آسيا وأفريقيا، مع ارتباط خطابه السياسي داخليا بمواقف وُصفت بمعاداة المهاجرين والأقليات العرقية والدينية رغم الصعود السياسي المتنامي للأمريكيين العرب والمسلمين المتجسد أخيرًا في فوز عبدالرحمن السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان، مما يعكس صراعًا متواصلًا بين خطاب الإقصاء وخطاب المواطنة المتساوية داخل التجربة الديمقراطية الأمريكية، مع تغريدة لترامب على منصة «تروث سوشيال» نشر فيها صورة تجمعه بزوجته ميلانيا ترامب وأخرى لعبدالرحمن السيد إلى جانب زوجته المحجبة معلقا على الصورتين «أمريكتان مختلفتان تماما» ! وهو تعليق قوبل بالكثير من الانتقادات لخطاب ترامب السياسي، مؤكدا أن الأمر ليس مجرد تنافس انتخابي بين أفراد أو أحزاب، بل صراع أعمق بين أمريكتين مختلفتين فعلا: أمريكا الخائفة من الآخر المختلف، وأمريكا المؤمنة بالاختلاف مصدرا للقوة لا سببا للإقصاء.
كانت انتخابات منصب رئيس بلدية نيويورك قبل عام تمهيدا لما حدث قبل أيام في ميشيغان وعدة ولايات أمريكية. إرهاصات متتابعة لتغير واضح في علاقة الناخب بالسياسة؛ إذ لم تعد القيادات الحزبية وشبكات النفوذ الاقتصادي تلعب دورا أساسيا في تحديد فرص المنافسة، بل استطاعت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التمويل الشعبي الجماعي تغيير قواعد اللعبة في كشف التحالفات. استطاعت جهود الشباب عبر الإعلام غير التقليدي التركيز على قضايا الشباب الواقعية التي تمس حياتهم اليومية كارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والرعاية الصحية، والعدالة الاقتصادية بعيدا عن الخطاب السياسي الصاخب ولغة الاعتدال الدبلوماسية المستفزة، ولا ينبغي الظن بأن جرأة الخطاب الخطاب ضمانة انتخابية مطلقة، فما زال الحزب الديمقراطي يضم تيارات متعددة، وتختلف طبيعة الناخبين من ولاية إلى أخرى، لكن صعود هذا التيار التقدمي اليوم يثبت أن الجرأة السياسية لم تعد بالضرورة عبئا انتخابيا، وأن الحديث عن المحظورات ليس خطرا، وأن هناك قاعدة عريضة للناخبين ترى في المواجهة والوضوح عنصر قوة وإثارة لا عنصر مخاطرة.
ومن نيويورك إلى ميشيغان، وربما إلى مناطق أخرى في الولايات المتحدة، ومن ممداني والسيد وغيرهم يظهر جيل سياسي جديد يستخدم أدوات مختلفة مقدما تصورا مختلفا للعلاقة بين السياسي والناخب. أجيال تصل بكفاءات إلهان عمر، رشيدة طليب، ألكساندريا أوكاسيو كورتيز (أقليات لاتينية)، وكيث إليسون (أقليات أفريقية) إلى مشاركة سياسية واعية بالثراء التعددي مؤمنة بالتكامل الشعبي. القيمة الحقيقية لهذه التجارب لا تكمن في عدد المقاعد التي حصدتها الأقليات، بل في قدرتها على تحويل التنوع الديموغرافي إلى قوة سياسية مؤثرة، والهوية الاجتماعية المهمشة إلى شراكة كاملة في صناعة القرار الوطني.
تجربة عبد الرحمن السيد والصدى السياسي الذي رافق فوزه بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان تكشف تحولات عميقة في بنية المجتمع الأمريكي وقدرته على استيعاب التنوع العرقي والثقافي والديني داخل مؤسسات صنع القرار. كما تبرز هذه التجربة حدود الخطابات الشعبوية التي قامت على إثارة المخاوف من المهاجرين والأقليات وتصويرها كتهديد للهوية الوطنية. وبما أن دونالد ترامب من أكثر الشخصيات السياسية تأثيرًا في المشهد الأمريكي المعاصر، فإن الجدل المستمر حول مواقفه وتصريحاته تجاه العرب والمسلمين والمهاجرين يسلط الضوء على التوتر القائم بين قيم المواطنة المتساوية من جهة ونزعات الإقصاء والتمييز من جهة أخرى. أهمية فوز عبد الرحمن السيد لا تكمن في إنجازه الانتخابي الفردي فحسب، بل في الدلالة الرمزية على قدرة الأقليات على تجاوز الصور النمطية والمشاركة الفاعلة في المجال العام. كما أنه حدث يعيد طرح السؤال الجوهري المتعلق بمدى اتساق الخطاب السياسي مع المبادئ الحقوقية التي يدّعي الدفاع عنها حينما يصعب التوفيق بين دعم حقوق الشعوب في مواجهة القمع خارج الحدود وبين تبني مواقف أو خطابات استبعاد وتمييز وإقصاء بحق جماعات داخل المجتمع ذاته.
إن مستقبل الديمقراطية الأمريكية مرهونٌ بقدرتها على ترسيخ قيم المساواة والعدالة واحترام التنوع باعتبارها مبادئ غير قابلة للتجزئة أو الانتقاء زمانيا أو مكانيا.
ختاما، فوز الطبيب الأمريكي من أصول مصرية في انتخابات ولاية ميشيغان يمثل أهمية كبرى، جسرا محتملا للوصول لرئاسة أمريكا، وما احتفاء الكثير من اليساريين بهذا الفوز إلا احتفاء بانتصار قوة الشعب عبر التقنيات الحديثة والتنظيم الجماعي على قوة آلة المال والسلطة الموجهة تقليديا لأصوات الناخبين.
لكن كل ما يحتفى به اليوم يمكن أن تذروه الرياح ما لم يتكئ على حضور نوعي قادر على الإيفاء بالعهود والمشاركة الواقعية الفاعلة في تحريك وتحويل التحديات الاقتصادية لعدالة اجتماعية تسمح بالتكامل في العمل وفي توزيع الفرص وصولا لغد أفضل يتسع للجميع.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية