بين ضغط واشنطن وتمرد اليمين.. هل يهرب نتنياهو إلى «انسحاب جزئي» من غزة؟
الاحد / 2 / ربيع الأول / 1448 هـ - 19:48 - الاحد 16 أغسطس 2026 19:48
غزة: 'عُمان'- بهاء طباسي
تكشف التصريحات المتضاربة الصادرة في إسرائيل خلال الأيام الأخيرة عن فجوة متسعة بين الخطاب السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وما يجري بحثه داخل المؤسسة الأمنية بشأن مستقبل الانتشار العسكري في قطاع غزة.
ففي الوقت الذي أعلن فيه نتنياهو رفض وثيقة النقاط الـ15 التي طرحها 'مجلس السلام'، وأكد أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب قبل نزع سلاح حركة حماس بالكامل، تتحدث تقارير اسرائيلية عن مناقشات لانسحابات موضعية وإعادة انتشار في مناطق محددة، فيما يتهم معارضون الحكومة بإدارة مسارين متناقضين في الوقت نفسه.
في هذا السياق، شن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير هجوماً علنياً على نتنياهو، معتبراً أن رئيس الوزراء يرتكب خطأ بالسير في طريق يؤدي إلى تقييد حرية عمل الجيش داخل القطاع. وقال بن غفير، في تصريحات للقناة 12 العبرية، إنه كان الوزير الوحيد الذي صوّت ضد إدخال قوات تابعة لـ'مجلس السلام' إلى غزة، وضد إدخال قوات دولية أو متعددة الجنسيات يمكن أن تحل، جزئياً أو تدريجياً، محل القوات الإسرائيلية.
ولا يعترض بن غفير على تفاصيل إجرائية فحسب، بل يرفض جوهر الترتيب المقترح، لأنه يراه تهديداً لحرية الجيش في تنفيذ عمليات الاغتيال والاستهداف، ومقدمة لفرض قيود سياسية على تحركاته. وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي قد وافق في 26 يوليو على إدخال قوة متعددة الجنسيات إلى القطاع، رغم معارضة بن غفير، في قرار ارتبط بتجربة أولية في منطقة رفح.
*اتهامات المعارضة.. تسريبات كاشفة ونفي غائب*
أما أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب 'إسرائيل بيتنا' المعارض، فذهب إلى اتهام نتنياهو بإخفاء حقيقة ما يجري ميدانياً. وقال، في تصريحات للقناة نفسها، إنه 'لا تطابق بين تصريحات نتنياهو وأفعاله'، مضيفاً أن جهات ميدانية في الجيش تلقت تعليمات بالانسحاب من القطاع، رغم إعلان رئيس الوزراء رفض وثيقة النقاط الـ15. ولم يقدم ليبرمان، وفق ما ظهر في التقارير المتاحة، تفاصيل علنية عن الوحدات أو المواقع التي يشملها الانسحاب، كما لم يصدر تأكيد مستقل من الجيش الإسرائيلي يثبت تنفيذ انسحاب جزئي أو شامل.
لكن تصريحات ليبرمان لا تبدو منفصلة تماماً عن تقارير نشرتها وسائل إعلام عبرية في الثامن والتاسع والعاشر من أغسطس. فقد أفادت القناة الثانية عشر الإسرائيلية بأن المؤسسة الأمنية بحثت إمكانية الانسحاب من عدة نقاط داخل غزة، رغم أن حماس لم تُنزَع أسلحتها، فيما تحدث تقرير آخر عن احتمال أن تكون رفح المنطقة الأولى التي يُختبر فيها نموذج انسحاب إسرائيلي محدود، على أن تحل قوة متعددة الجنسيات محل القوات المنسحبة.
*ورقة تفاوض.. إعادة تموضع لا تراجع استراتيجي*
وتشير هذه المعطيات إلى أن ما يجري ليس قراراً إسرائيلياً بالانسحاب من القطاع، بل إعداداً لخيار قابل للاستخدام على طاولة التفاوض. فالجيش قد يخرج من مناطق مكتظة أو أقل أهمية عملياتية، لكنه يحتفظ بالممرات والمواقع التي تمنحه قدرة على مراقبة القطاع وقطع الحركة بين شماله وجنوبه. وبهذا المعنى، قد يكون الانسحاب إعادة انتشار لا تراجعاً استراتيجياً.
ويرى الكاتب والباحث الفلسطيني في الشؤون الإسرائيلية عاهد فروانة أن نتنياهو يحاول إدارة تناقض محسوب بين واشنطن واليمين الإسرائيلي. فبحسب قراءته، يرفض رئيس الوزراء الخطة علناً لإرضاء جمهور اليمين، والحفاظ على صورته كمن يرفض أي تنازل أمام حماس، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام نقاشات أمنية حول انسحابات جزئية وتغييرات في مستوى العمليات والقصف، بما يسمح له بطمأنة إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى أن إسرائيل لا تغلق مسار التفاوض.
ويضيف فروانة، في تصريحات لـ'عُمان'، أن نتنياهو لا يبحث عن تسوية نهائية بقدر ما يسعى إلى تحسين شروطها. فهو يريد ضمانات أمريكية تسمح له بالسيطرة الدائمة على قطاع غزة، وقوة دولية 'مستأنسة'، وحقاً إسرائيلياً في تنفيذ ضربات داخل المناطق التي ينسحب منها جيش الاحتلال. وفي الوقت نفسه، يحتاج إلى إبقاء الجبهة الداخلية اليمينية تحت السيطرة، خصوصاً أن أي انسحاب شامل قبل نزع السلاح سيُقدَّم باعتباره هزيمة سياسية وعسكرية.
الغزيون بين المساومة والدمار*
ومن هذه الزاوية، فإن السيناريو الأرجح، هو انسحابات محدودة، تبدأ ربما من رفح أو نقاط أخرى، مع بقاء الجيش الإسرائيلي في محاور استراتيجية واستمرار قدرته على التدخل. أما الانسحاب الشامل فيبدو مستبعداً في المدى القريب، لأن نتنياهو أعلن صراحة رفضه لأي انسحاب قبل نزع سلاح حماس بالكامل، وهذه وفقًا لفروانة 'ذريعة سياسية ولعبة من ألاعيب نتنياهو'، ولأن بن غفير وحلفاءه سيحاولون منع تحويل الترتيبات المؤقتة إلى مسار سياسي دائم.
وفي ضوء ذلك، لا يعني الانسحاب من بعض المناطق انتهاء السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة، ولا عودة السكان إلى حياة طبيعية. فقد يخرج الجيش من نقطة، لكنه يحتفظ بالقدرة على مراقبة المنطقة واستهدافها وفرض شروط الحركة فيها، بينما تُترك مسؤولية الأمن اليومي لقوة دولية أو جهات محلية في ظروف إنسانية وأمنية شديدة الهشاشة.
ولذلك فإن 'الانسحاب الجزئي' الذي يجري بحثه قد يخفف الوجود البري المباشر في بعض المناطق، لكنه لا ينهي الاحتلال الفعلي ولا يضمن وقف القصف أو فتح المعابر أو حماية المدنيين. الخلاف داخل إسرائيل لا يدور، في جوهره، حول إنهاء الحرب، بل حول الجهة التي ستدير غزة، وحجم القوات الإسرائيلية التي ستبقى فيها، والضمانات التي تمنحها واشنطن لإسرائيل مقابل أي تراجع ميداني. أما سكان القطاع، فيبقون خارج هذه المساومات، بين دمار واسع ونزوح متكرر وخطر استمرار العمليات حتى في المناطق التي قد ينسحب منها الجيش.