أعمدة

الأب الذي لم يعد كافيا

قالت بحزن وهي تنظر إلى ابنتها المراهقة: «ابنتي لا يعجبها شيء، تريد أن نخرج كل أسبوع إلى المطاعم والمقاهي والمولات، وإذا قلنا لها إننا لا نستطيع، تغضب وتنعزل». التفتُّ إلى الأب؛ رجلٌ بسيط يعمل في وظيفة أقل بساطة، يخرج مع بزوغ الفجر ولا يعود إلا مع غياب الشمس، يحمل على كتفيه المنهكتين مسؤولية أسرة من ستة أبناء. لم تكن في ملامحه قسوة ولا بخل، بل ملامح إرهاقٍ ناعم لرجل يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يمدّ دخله البسيط ليكفي حتى آخر الشهر. 

تساءلتُ بيني وبين نفسي: متى أصبح هذا البيتُ الدافئ غيرَ كافٍ؟ 

ليست المشكلة أن الفتاة تريد الخروج والترفيه، فالرغبة في الاستمتاع حقٌّ طبيعي، المشكلة الحقيقية أنها أصبحت تقيس حياتها الواقعية بـ«حياة متخيلة» لا تعيشها. كل يوم تفتح هاتفها، فتدخل إلى عالمٍ افتراضي يبدو فيه الجميع سعداء ومثاليين: كل يوم مطعمٌ جديد، ومقهى فاخر، وهديةٌ باهظة الثمن، وسفر لا يتوقف. ترى «النتيجة» البراقة فقط، ولا ترى الكواليس وراء الشاشات. 

لا ترى من ادخر أشهرا طويلة ليقتطع يوما واحدا، ولا من غرق في الديون ودفع الثمن ببطاقة ائتمان، ولا من اختار بعناية أن ينشر لقطات سعادته الخاطفة ويخفي بقية أيامه العادية، ولا تدرك تلك الصغيرة أن هناك من يزيف هذه الحياة بصور لا تخصه من الأساس. 

لكن عقل المراهق لا يقارن التفاصيل ولا يحلل الأسباب إنه يكتفي بمقارنة النتيجة! 

وفجأة، يتحول البيت الذي كان ملاذا آمنا إلى مكانٍ «ينقصه كل شيء» ويتحول الأب الذي كان بطلًا استثنائيًا في نظر ابنته إلى شخصٍ عاجز عن توفير ما يفعله آباء آخرون. 

هذا تحديدًا ما يقلقني ليس لأن أبناءنا يطمحون للأفضل، بل لأنهم يتعرضون لتآكلٍ تدريجي في قدرتهم على رؤية ما يملكونه بالفعل. 

أخشى أن نكون صنعنا جيلًا يفقد قيمة الامتنان؛ لأنه يقضي عمره كاملا في مراقبة ما في أيدي الآخرين. فالحرمان الحقيقي ليس ألا تتردد على مطعمٍ شهير، الحرمان الحقيقي هو أن تفقد قدرتك على الشعور بالرضا بالرغم من كل ما تملك. 

وعندما يصبح الرضا مستحيلًا، فلن تكفي المطاعم، ولا المولات، ولا كل أموال الأرض لملء هذا الفراغ. 

حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية