أعمدة

موج مفقود في مصير الكهرمان

أنساغ

 

(1) 

في هذه الحالة من الغرام المتطرِّف، إذاً، أنت وحدك من عليه التعامل مع الغريم الذي صنعتَه أنت بنفسك عامداً متعمِّداً. 

لا يستطيع أحد أن يجد لك غريماً ثانياً. 

(2) 

الموت، البداية التي تعبت من التأجيل، والعكس صحيح (وهذا شيء من إخفاقات الشُّعراء). 

(3) 

في القادم الوشيك من الزَّمن، لن يمكن التمييز بين السَّادة، والعبيد، والطَّوابير، والطُّيور، وقطع غيار الآلات والذِّكريات، والشُّهداء، والمرتزقة. 

(4) 

لم يكن ما حدث البارحة كابوساً رهيباً، أو جاثوماً فظيعاً، بل نصف حلم في إنسانٍ لم يفقد أيَّاً من أعضائه بعد، فقط. 

(5) 

يحفِّز الانتحار ما هو أقرب إليه، ويحرِّضُ من هو أبعد منه. 

(6) 

تقع الكتابة في مكان قريب جداً من الخجل، والنَّخل، والطَّيش، والعَجز، و«الانفجار العظيم». 

(7) 

ثمَّة لدى الأقدمين الصَّالحين اكتشافٌ آخر: لا ندري أين كُنَّا في كل هذه اللاجدوى. 

(8) 

الشَّكوى حيلة الانتظار وضريبته في آن (حتى ولو لم يطالب بها أحد). 

(9) 

يغوي أضأل مقدار من السَّعادة بالكفِّ عن الكتابة (وأنا أحترم الاثنين معاً). 

(10) 

مسموح لهم البِر، والعطف، والحنان، والإحسان. أما الفضيحة فممنوعة علي. 

(11) 

لا يمكن تصحيح الموت أو تعديله. ما ينبغي، أكثر من محاولة ذلك، هو شحذه. 

(12) 

آه من هذا المعراج العسير، من نُطفةٍ، إلى كوكب، إلى جُثَّة تَتَنَيْزَك. 

(13) 

يتشبَّثون بماضٍ كان موجوداً، وأتمسَّك بليلٍ كأنه لم يوجد. 

(14) 

الشَّفقة زُهد. والسَّلالم، زيت، ورماد، وجوع، ووجع. 

(15) 

لا أحد هنا يستطيع غير ما لم يحدث. 

(16) 

كثير من الأحياء يستحقون نفس الاحترام (بل ربما أكثر من ذلك) الذي نُكِنِّهُ لقليل من الأموات (في الحقيقة أقل من هذا بكثير). 

والكارثة هي أن هذا بالضبط ما سيحدث للمرَّة الثالثة. 

(17) 

أقيس حياتي ووجودي بأعواد الثّقاب، وحبَّات الرَّمل، وقطرات الماء، والكتابة (ولم تكشف لي الأيام عن خطأ وصواب أكبر من هذا). 

(18) 

لا تحاول أن تتذكر، أحياناً، فيما يعنيك ولا يعنيك كثيراً، أن الموت يحدُث لدى آخرين أيضاً. 

(19) 

لا يُسعِفُ بابلو بيكاسو كثيراً أنك لا تحب شخص و/أو أعمال سلفادور دالي (زِد إلى هذا أن بيكاسو لا يطلب ذلك أصلاً، إن منك أو من سِواك). 

(20) 

هذا الكوخ بِكْرُ القمر، وتلك الأرملة أول من ناح. ثم اندثرت قريتنا. 

(21) 

أهمس ليهوي. 

(22) 

كم اكتسوا بالجدران، ولم تكن أقصى مطامحهم في الفتى أقل، وأبعد، من حائط واحد، بعينه. 

(23) 

لا يصيبهم الجوهر، ويطعنهم المظهر. 

(24) 

السُّلطة هي أن تنسيك أنها موجودة، حتى ولو بالسهو. وحين تأتي لحظةُ «نحن هنا»، يكون الأوان قد فات على كل شيء (بما في ذلك أن تتذكَّر). 

(25) 

هكذا أرى إلى وجه نظيرة الحارثي ملقياً النظرة الأخيرة، من شاهق، على عالم يغسله في الوداع الماء، والبَرَد، والثَّلج، ليعود، في الصفحة البيضاء الأولى المُشتهاة، بلا دنس ولا أرجاس: 

«ثمَّ تقدَّمتُ إلى الميت الثالث: وجهٌ ليس طفلاً وليس كهلاً، هادئ جداً، كما لو أنه عَاجٌ أصفر وأبيض جميل؛ 

أيها الشَّاب، أظن أنني أعرفك: أظن أن هذا الوجه وجه المسيح ذاته، 

ميت، وإلهي، وأخٌ للجميع. وهو يستلقي هنا مرة أخرى» (والت ويتمَن، من «أوراق العشب»، ترجمتي). 

(26) 

أجزم أن أحلامه كانت ترفرف بعيداً عن بلاده، ودياري. ولذلك فقد قضينا نحبينا معاً. 

(27) 

تعلَّم الصِّدق من أساتذته في مرحلة وحَرَج الثمانينيَّات الفاجرة، فقد كانوا كذَّابين من الطِّراز الذَّكي. 

في أيَّة حال، بعضهم مات على الرغم من بعض شيء. وبعضهم لا يزال ميتاً على الرغم من كل شيء. 

(28) 

غابت بعض الشُّروط عن واضعي الشُّروط، وعمَّن يفاوضون الشُّروط، وعمَّن ينافحون ويُنَقِّحون الشُّروط، وعمَّن يتحفظون على الشروط، وعمَّن يرفضون كل الشُّروط، وعمَّن يقبلون كل الشُّروط. 

وها نحن اليوم في كل تلك الشروط. 

(29) 

آه، من لي بيقينٍ يقول لي إني شِختُ مثلما تفعل العصافير، والمُعَزُّون، والليمونات الخضراء، والتِّذكارات اليابسة؟(30) 

النوم من أحوال الشمس، والشائعات، والأحراش، والقبر. 

(31) 

الحياة هي الانغماس الكامل في لحظة كثيفة من الحياة، والباقي هو الانعدام الكامل للقدرة على التفكير في تلك اللحظة بالذات. 

ولم يعد في الحياة (هذه الحياة، على الأقل) مُتَّسع لكل الذين يموتون من باب التَّبرع أو الزَّلة. 

(32) 

في ذلك العيد، التلفزيون هو السَّعيد الوحيد. 

(33) 

في الحب، يأتي الويل متأخراً جداً، وعديم الفائدة، ولا أدلَّة ولا وثائق يمكن أن تثبته، ولا تحتفظ الخسارة بأيَّة سجلات، ولا السِّتارة، ولا الأصابع. 

(34) 

لا تُسعِفنا همهمات ودمدمات الجنازة التي نحن والقَتَلَة فيها، بينما الميت حاضر في مكان آخر. 

(35) 

أرجوكم، لا تفتحوا باب هذا المخزن العتيق: سيخرج منه المستقبل. 

(36) 

يتساقطون مثل تُفَّاحات على محرِّك الحافلة في فيلمٍ هنغاري قديم. 

(37) 

كيف يدارون سوآتهم وسيِّئاتهم النَّهار؟ 

(38) 

لا أذهبُ في التَّغاضي، ويسيرون في النّكران. 

(39) 

الذين تدبَّروا أمورهم في أن يعيشوا من دون آلهة، لم يتمكنوا من الحياة من غير ملائكة. 

(40) 

ليس مثاليَّاً، بل يأتي بالمثال. 

(41) 

النَّحت والجبال من آمال الرَّغيف. 

(42) 

في البدء كانت النهاية (هذه النهاية، تحديداً، وهذه النِّهاية، فقط). 

(43) 

الوصل يتطلب الهجرة، والهجرة تريد الموت، والموت يبقى بعيداً حين يريد. 

(44) 

العار من أركيولوجيا القلاع، والحصون، والأبراج. 

(45) 

في اليابسة، كما في البحر، كما في الحب: موجٌ مفقودٌ في مصير الكهرمان. 

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني