أعمدة

«أقرأ» للعالم العربي

لفتني مؤخّرًا الضجيج حول كتاب مارك كورلانسكي «الملح: تاريخ عالمي»، الصادر عام 2002. وهو الكتاب الذي ظلّ منسيًّا أربعة وعشرين عامًا إلى أن جاء صانع محتوى 2026، تحدّث عنه في دقيقة واحدة على وسائل التواصل الاجتماعي، فغدا الكتاب حديث الملايين، واندفع القرّاء إلى اقتنائه ليصبح ضمن الكتب الأكثر مبيعًا! 

بقيتُ أقلب الأمر مرارًا في رأسي.. كيف يمكن لدقيقة واحدة أن تصنع مجد كتاب قضى كاتبه جزءًا من حياته في صياغته؟ وهل يعني هذا بالضرورة أنّنا ككتّاب بحاجة إلى صنّاع المحتوى «الكبسولي» لنظهر؟ هل باتوا بديلًا عن كُتّاب المراجعات أو النقّاد؟ وهل يكفي أنّهم يقبضون شرارةً صغيرة لإيقاظ الفضول؟ 

في الأسبوعين الفائتين التقيتُ بالشباب الذين جاؤوا من بلدان عربية مختلفة تحت مظلة مسابقة «أقرأ» في مركز «إثراء» بالسعودية. 

وكانت لديّ في بادئ الأمر مخاوف من هذه الفئة العمرية التي تمتدّ بين 14 و25 عاما من أن يكونوا أسرى كتب التنمية الذاتية وأبناء وصفات الكتب السريعة التي تعد القارئ بتغيير حياته بمجرّد القراءة. 

لكنني وجدتهم يقتربون بحرية لافتة من كتب التراث والحداثة، ومن الرواية والفكر والتاريخ ممتلئين بالفضول والحدس والأسئلة. ولعلّي لا أخفيكم أنّني شعرتُ بالغبطة لتجاورهم، كما أحلم دومًا بأن تُذيب الثقافة ما تفتعله السياسة الخرقاء والطائفية في بلداننا. 

آثرتُ في الورشة التي قدّمتها عن مصادر معرفتنا بالكتب أن أسأل المشاركين: إن كانت مراجعات الكتب من قبل النقاد والصحفيين هي مصدر معرفتهم بها أم ترشيحات الأصدقاء أم الاكتشاف الشخصي. 

وبدا أنّ الأغلبية أكثر ميلًا إلى الكتب التي تُرشَّح لهم بتوصية. الكتب المُخاتلة التي تظهر لهم مرارًا فتكتسبُ شيئًا من الشرعية بينما تغيبُ الكتب الأخرى، ليس بالضرورة لنقصٍ فيها.. ربما فقط لأنّها لم تدخل معمل الأُلفة، كذاك الذي تُجسّره مخرجات الجوائز فتغدو أكثر رواجًا.. هكذا تنتبه الخوارزميات -التي قد لا تعي شيئا عن قوة الكتب أو ضعفها- إلى حساسية النقر والمشاركة والتعليق، فتُشيّد عالمًا من الانتباه المُخيف! 

ولعلّي لا ألوم الشباب الجدد لوفرة العناوين وسهولة الوصول إليها على نقيض النُدرة التي كنّا نُكابدها، والتي جعلت فعل القراءة القديم يدلّنا على رفوف مكتبات بعناوين مجهولة. 

استوقفني أنّ هؤلاء القرّاء الصغار، والذين جرى فرزهم من بين ما يزيد على 300 ألف مشارك عربي، يميلون إلى ما يقبع عادةً تحت بقعة الضوء ويُولد بعضهم الخشية مما يُوصم من قبل الآخرين بشيء من السوء. وآنذاك تحدثنا عن مقولة صمويل جونسون: «الكاتب لا يبدأ إلا نصف الكتاب، أمّا القارئ فهو الذي يُتمّه»، ما أردنا قوله بالضبط إنه باستطاعتهم مجابهة المعاني الجاهزة لصالح تأويلات جديدة إن أرادوا ذلك.. فالكثير من الكتب التي خفت بريقها في وقت ما، أُضيئت في عصور لاحقة بقراءة أكثر تبصّرًا؛ إذ لا يصنع هذه الحيوية إلا القرّاء الجدد دوما. 

يقول أمبرتو إيكو: «النصّ آلة إنتاج المعاني»، فعلى سبيل المثال: «عوليس» و«غاتسبي العظيم» و«موبي ديك» و«البحث عن الزمن المفقود» و«دون كيخوته» وغيرها من الأعمال لم تكن لتستقر في مكانتها الأدبية الرفيعة لولا المراجعات التي حظت بها. 

«رسالة إلى الوالد» لكافكا تجاوزت كونها رسالة شخصية من ابن لأبيه، لتغدو مدخلًا إلى المشروع الكافكاوي وسلطة الأبوة والشعور بالذنب. 

«الطاعون» اكتسبت في زمن كورونا دلالات جديدة حول الوباء والعزلة، و«فرانكنشتاين» انفتحت قراءاتها الحديثة على أسئلة العلم والتقنية. حتى «الإلياذة» و«الأوديسة» تقدم ضمن قراءات جديدة بعد مرور 3000 سنة. فالمؤكد أنّ الكتب لم تتغيّر لقد تغيّرت المناظير التي نقرأها بها. 

لكن أليس من المذهل حقا توحّش التقنية الكامن في الاختزال، كتاب من مئات الصفحات يلخص في اقتباس هزيل، في كلمة ضئيلة كـ «أعجبني» أو «لم يعجبني». أتذكر ميلان كونديرا الذي ربط بين السرعة والنسيان: «درجة البطء تتناسب طرديًا مع شدة الذاكرة، ودرجة السرعة تتناسب طرديًا مع شدة النسيان». 

ولذا أظن أننا بحاجة إلى فعل مقاومة وإن بدا صغيرا، ولعل مسابقة «أقرأ» تُحرض على ذلك، تدعو الشباب لأن يذهبوا بأيديهم وحواسهم الأصيلة نحو الكتب، وأن يُبدوا حكمهم حولها. بالتأكيد نحن لا ننكر دور التقنية في صوغ آليات جديدة للقراءة، إلا أنّه لا يمكن أيضا اختصار ديناميكية القراءة في تسطيح مُفرط. 

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»