أفكار وآراء

الحكومة المتمحورة حول التنفيذ

يكاد لا يخلو نقاش في فعالية حكومية، أو نقاش عن العمل والأداء الحكومي عمومًا من فكرة أننا في المرحلة الراهنة والمقبلة على مستوى العمل الحكومي نحتاج إلى التركيز على التنفيذ، ومنظومة التنفيذ بقدراتها ومواردها وسرعتها واستباقيتها وحوكمتها. وقد يبالغ البعض في القول إن «العمل النظري» القائم على البحوث والدراسات والتحليلات قد تشبعت به الحكومة. ورغم أنني أعارض نسبيًا الجزئية الأخرى؛ إلا أن المرحلة في تقديري تحتاج انتقالًا إلى نمط «الحكومة المتمحورة حول التنفيذ». 

ستظل الحكومة تحتاج إلى «العمل النظري»؛ كون أن الحكومات هي كائن متعلم باستمرار، وأفضل الحكومات اليوم ليست فقط تلك التي تأسست على قواعد متينة (تشريعات، ومؤسسات، وسياسات عمل وإجراءات واضحة)، فرغم أهمية هذا البناء إلا أن السياق العالمي الذي تعمل فيه الحكومات يفرض عليها اليوم إضافة عنصر آخر في محكات تقييم كفاءتها وهو (التعلم المستمر)، الذي يتأتى عن طريق الرصد والتجريب وإتاحة المساحة لاختبار السياسات ومشاركة الأطراف المجتمعية في حركة الحكومة ذاتها، والديناميكية في اتخاذ القرار، والسرعة في الاتصال واستيعاب الدروس والتصحيح، وكل ذلك يقوم في وجه من أوجهه على رافعة مهمة وهي «العمل النظري»، الذي يؤصل ويوثق تلك الحركة الدائمة، وذلك التعلم المستمر. 

تعمل الحكومات اليوم في إطار تحده ثلاثة محددات كبرى حسب رؤيتنا؛ مجتمعات تتغير توقعاتها باستمرار، وعالم تبدو فيه التحولات التكنولوجية تجري بوتيرة أسرع من تحولات الدورة الحكومية، وحالة كونية من الاضطرابات والمخاطر غير المنقطعة. لذلك أصبحت ثلاثية (الصمود، الجاهزية، التكيف) هي الركائز الأساسية التي يجب أن يبنى عليها أي نموذج تشغيلي لعمل الحكومات. وحيث تسعى الحكومات لتسريع وتيرة تنفيذ خططها وبرامجها وتطبيق سياساتها، وتحصين المجتمعات من الانعكاسات المحتملة للأزمات والصراعات؛ فإن سياسات «التنفيذ» وحوكمة «التنفيذ» تتباين من حكومة لأخرى، فلا يمكن استيراد نموذج بعينه وإسقاطه، أو الجزم بأن نموذجا ما في التنفيذ هو الأنجح أو الأسلم، لعشرة اعتبارات أساسية: اختلاف الإرادة العليا، حدود القدرات البشرية وتباينها، حدود الموارد وتباينها، وضوح سياسات وإجراءات التنفيذ على مختلف المستويات، اختلاف أنماط الثقافة المؤسسية، اختلاف آليات تشغيل المؤسسات من الداخل، اختلاف أنماط حوكمة التنفيذ بين المؤسسات وعلى مستوى الحكومة، الحوافز المحركة لمختلف مستويات الحكومة من القيادات وحتى الأشخاص التنفيذيين، مستوى حركة النظام ككل باتجاه التنفيذ كهدف أسمى (درجة التعقيد البيروقراطي)، مستوى الكفاءة والتطوير المهني المتوازي لمختلف مستويات العاملين التنفيذيين). 

عندما نعود للدراسات التي ناقشت فشل الحكومات في التنفيذ بداية من الأعمال الشهيرة لـ Pressman & Wildavsky ومرورًا بالكتاب الشهير لـ Michael Lipsky والمسمى «البيروقراطية على مستوى الشارع Street-Level Bureaucracy: Dilemmas of the Individual in Public Services» ووصولًا لمجمل ماكنزي حول «The Delivery Challenge: A Systematic Approach to Achieving Breakthrough Impact». سنجد أن أسباب فشل التنفيذ على مستوى الحكومات تاريخيًا تتمحور حول أربعة أسباب رئيسية؛ الفجوة بين مستوى الطموح وبين حالة القدرة المؤسسية والبشرية والمواردية والتنظيمية، تشتت مسؤوليات التنفيذ وغياب الجهة القائدة والاعتماد على العمل التنسيقي التلقائي، القدرة المنهجية الواضحة على تحويل الأهداف الكبرى إلى آليات تشغيل (منهجيًا ونشدد هنا على كلمة منهجيًا)، فقد تضع الحكومات مؤشرات أداء، وأهداف تشغيلية (إجرائية) لكنها لا تقيس بالضرورة أو لا تؤدي بطبيعتها المنهجية إلى الهدف الاستراتيجي المنشود، أما السبب الرابع والأخير الذي تجمع عليه الأدبيات فهو اختلاف واختلال منظومة الحوافز. 

يقودنا السبب الأخير إلى نقطة مهمة تشير إليها أعمال Michael Lipsky فهو يرى أن «التنفيذ الفعلي للسياسات تحدده بدرجة كبيرة قرارات الموظفين الذين يتعاملون مباشرة مع المواطنين - مقدمي الخدمة العامة -» ويرى أن «هؤلاء يعملون تحت ضغط نقص الموارد وكثرة الحالات وغموض القواعد، مما يدفعهم إلى استخدام قدر من السلطة التقديرية في تفسير السياسات وتطبيقها». وهو يرى أن تنفيذ السياسات العامة يعتمد بشكل أصيل على سلوك وقدرات وحوافز موظفي الصف الأمامي. ونعتقد حسب تقديرنا أن هذه الفئة تحديدا ما زالت (محدودة الاهتمام) في التعامل معها وتأطير قدراتها وشحذ الحوافز الموجهة لها، والتحقق من مكنتها في التنفيذ، وهذا تقدير عام في مختلف الحكومات والدول، رغم سعي بعض الدول إلى إيجاد منظومات للحوافز الفردية، وبعضها إلى ابتكار برامج سابقة لتأهيل الداخلين الجدد للخدمة العامة، لكن الأمر يتجاوز المبادرات والبرامج الجزئية إلى أبعاد استراتيجية أكبر؛ فالهدف الأسمى في تقديرنا (كيف نجعل موظف القطاع العام متحفزًا باستمرار، ومتعلمًا بشكل غير منقطع، ومبادرًا يستشعر أن ما تسعى إليه الحكومة من أهداف هي بشكل ما أهدافًا ذاتية ومهنية له، يشعر بملكيتها وتساعده على التطور المهني والفكري، وتدفعه بشكل مستمر للتحسن والسعي لإبراز قدراته وممكناته بشكل أفضل). في تقديرنا هذا بشكل أساس هو جوهر (الحكومة المتمحورة حول التنفيذ)، والذي عادة ما تهمله الكثير من خطط وبرامج تسريع ومعالجة مشكلات التنفيذ في الحكومات. 

إضافة لذلك؛ هناك جملة من الإجراءات التي تساعد على بناء حكومات متمحورة حول التنفيذ، منها التحقق من إدخال كافة مستويات موظفي الصف الأمامي في المراحل الأولى لتصميم السياسات والبرامج والخطط الاستراتيجية بوصفهم (مفكرين) وليس فقط (تنفيذيين). كذلك سد الفجوات في برامج التنفيذ العابرة للوزارات والقطاعات؛ حيث تتسم الكثير من البرامج والمبادرات بطبيعتها التشابكية بين جهات مختلفة وقطاعات مختلفة، الأمر الذي يعتمد على مستوى وكفاءة التنسيق القائم بينها، وهذه الحالة إذا لم تحوكم بشكل جيد فإنها من أكبر عتبات التنفيذ، والحلول الممارسة تكون عبر إنشاء فرق تنفيذية عابرة للاختصاصات وممكنة بالصلاحيات، وفي بعض الأحيان إنشاء وزارات (ملف) مؤقتة تعنى بملف معين دون أن يكون لها كيانات تنظيمية ثابتة وهياكل مؤسسية كاملة، وتنتهي بانتهاء تحقيق أهداف الملف، وهذه ممارسة موجودة في بعض دول الخليج وفي تجربة بعض الدول الآسيوية الآخذة في النمو. ومن المعالجات كذلك باتجاه التنفيذ هو تحديد ما يُعرف بالمؤشرات الحرجة مرحليًا؛ فبدلًا من أن تعمل الحكومة على قائمة طويلة من المؤشرات في المدى الزمني البعيد، يتم تحديد (5-8) مؤشرات أساسية مرحليًا وفي إطار زمني محدود تعمل الحكومة ككل على تحقيقها والتنفيذ إزاءها وتصميم البرامج والسياسات على ضوء تحقيقها، شريطة أن تكون مؤشرات استراتيجية قادرة على أن تعكس مشكلات أو قضايا مركزية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. 

إن الحكومة المتمحورة حول التنفيذ إنما هي نتاج الاهتمام بعنصرها البشري في مختلف مستويات العمل وتقديم الخدمة، مثلما هي نتاج اهتمام بالسياسات والإجراءات والآليات، والأهم أنها نتاج اهتمام بتكوين منظومة مستمرة للتعلم على مختلف المستويات، والقدرة على التصحيح، واكتساب المرونة من الداخل، قبل أن تفرض من الخارج بفعل الأزمات والمخاطر وعموم التحولات. 

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان