التنمية في عالم ما بعد المساعدات.. كيف يمكن للدول الهشة الاعتماد على مواردها؟
الخميس / 29 / صفر / 1448 هـ - 20:15 - الخميس 13 أغسطس 2026 20:15
إيجوسا إي. أوساجي - ترجمة: نهى مصطفى
الدول الهشة، بحكم تعريفها، لا تسير فيها الأمور بسهولة. فبالنسبة إلى نحو 60 دولة هشة تفتقر إلى أبسط مقومات القدرة على أداء واجباتها تجاه مواطنيها، كان العام ونصف العام الماضيان قاسيين على نحو خاص. لعقود، اعتمدت هذه الدول على قدر محدود من المساعدات الخارجية من الحكومات المانحة الكبرى والأمم المتحدة والبنك الدولي وغيرها من المؤسسات متعددة الأطراف. لكن في عهد الرئيس دونالد ترامب، خفضت الولايات المتحدة، التي كانت تقليديًا أكبر مانح للمساعدات في العالم، مساعداتها بشكل حاد. حذت حذوها دول مانحة رئيسية أخرى، إلى جانب منظمات متعددة الأطراف.
تلحق هذه التخفيضات أضرارًا جسيمة؛ فقد حققت المساعدات الخارجية فوائد جمة، بما في ذلك مساعدة الحكومات الأفقر على تلبية الاحتياجات الأساسية لملايين الأشخاص، وأدت هذه التخفيضات بالفعل إلى وفاة أكثر من 500 ألف طفل، وفقًا لتقديرات بروك نيكولز من جامعة بوسطن. لكن على الرغم من كل مزاياها، كثيرًا ما كان النظام القائم محدودًا للغاية. فالاعتماد على المساعدات الخارجية لم يوفر للدول الهشة سبيلًا لتحقيق نمو اقتصادي حقيقي، ولم يعزز قدراتها. بل على العكس، جعل الدول المتلقية عرضة لأهواء قوى خارجية، كما بات واضحًا الآن من خلال هذه التخفيضات.
لكي تصبح الدول الضعيفة قوية فهي بحاجة إلى استراتيجية جديدة تعتمد في المقام الأول على مواردها الذاتية. لن يكون وضع هذه الاستراتيجية وتنفيذها سهلًا، لكن المهمة ليست مستحيلة. تمتلك الدول الهشة غالبًا موارد طبيعية هائلة وتحويلات مالية كبيرة من المغتربين، ويمكن لحسن إدارتها أن يوفر مليارات الدولارات ويدعم نشوء طبقة متوسطة قوية. كما تستطيع هذه الدول تحسين أنظمتها التجارية وتعزيز التعاون الإقليمي، إذ إن استقرار كل دولة يعتمد إلى حد كبير على استقرار جيرانها.
عندما عاد ترامب إلى منصبه في يناير 2025 بدأ سريعًا في تقويض النظام القائم للتنمية الاقتصادية. ففي يوم تنصيبه أنهى عمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التي كانت أكبر قناة للمساعدات التنموية والإنسانية الأمريكية، وخفض أو ألغى مساهمات واشنطن في الصندوق العالمي للمناخ ومنظمة الصحة العالمية وأكثر من 12 وكالة تابعة للأمم المتحدة. وأدى ذلك إلى توقف آلاف المبادرات؛ إذ تسبب إغلاق الوكالة في إنهاء أكثر من 5000 مشروع، بينما أدت التخفيضات الأمريكية للمنظمات متعددة الأطراف إلى إغلاق برامج أخرى. كما قوضت التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب أنظمة تجارية كانت تمنح الدول الهشة شروطًا تفضيلية.
لم تكن الولايات المتحدة وحدها التي قلصت المساعدات؛ فوفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، خفضت دول غربية عدة، بينها بلجيكا وفرنسا وهولندا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة، مساعداتها وقروض التنمية إلى أدنى مستوياتها منذ 2016، مفضلة توجيه الموارد إلى الدفاع وأولويات داخلية أخرى. وأدى ذلك إلى تقليص برامج صحية وإنسانية في دول فقيرة، خصوصًا في أفريقيا.
في المقابل، تحاول الصين والهند وروسيا تقديم نفسها كمصادر بديلة للتمويل والتنمية، مع توسع حضورها في أفريقيا ودول الجنوب العالمي. وتوسعت المساعدات الصينية، فيما يحشد بنك التنمية الجديد، الذي أسسته دول من مجموعة البريكس، تمويلًا لمشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة. كما تقود بكين وموسكو جهودًا لتقليل الاعتماد على الدولار، ما يمكن أن يمنح الدول النامية خيارات أكبر في التجارة والاستثمار.
لكن هذه البدائل لا تخلو من قيود؛ فميزانيات المساعدات الهندية والروسية لا تزال محدودة، بينما تفضل الصين القروض وعقود البناء والاستثمارات المدعومة من الدولة على المنح المباشرة. كما تفتقر مشاريعها إلى الشفافية، ولا تركز بالضرورة على بناء المؤسسات أو تعزيز حقوق الإنسان، وقد تؤدي القروض الكبيرة إلى زيادة ديون الدول المتلقية واعتمادها على الصين.
ممارسات الصين في مجال المساعدات فريدة من نوعها. فالهند أيضًا تعمل في الغالب من خلال قروض ذات دوافع محددة، غالبًا مقابل الوصول إلى الموارد الطبيعية للدول المتلقية (أو مقابل صفقات تفتح أسواقها أمام الشركات الهندية). أما روسيا، فهي أكثر ميلاً إلى المصالح المتبادلة، فقد ضخت استثمارات متزايدة في دول تعاني من الصراعات، بما في ذلك جمهورية الكونغو الديمقراطية والنيجر وجنوب السودان، ولكن فقط لتعزيز موقعها الجيوسياسي وتأمين صفقات للمعادن الحيوية. وهي أيضًا، في نهاية المطاف، غير مهتمة بتعزيز التنمية.
ربما يبدو مستقبل المساعدات الدولية قاتمًا، لكن بإمكان الدول الهشة تعويض جزء من خسائرها عبر استغلال مواردها الخاصة. تمتلك دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا وأنجولا وناميبيا احتياطيات ضخمة من المعادن الحيوية، بينها الكوبالت والليثيوم والروديوم. وتملك جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها ما بين 50 و80% من الاحتياطيات العالمية من الكولتان والكوبالت، بقيمة تتجاوز 24 تريليون دولار. ويمكن لاستغلال هذه الموارد بكفاءة أن يوفر تدفقات مالية ضخمة ويمنح هذه الدول نفوذًا أكبر في التفاوض على اتفاقيات تجارية. يتطلب ذلك تحديث المسوحات الجيولوجية، وتطوير تقنيات التعدين والتكرير، والاستفادة من خبرات المواطنين في الخارج، إلى جانب التعاون الإقليمي. والأهم هو الحد من الفساد والتعدين غير المشروع، وضمان توجيه عائدات الموارد إلى بناء مؤسسات الدولة بدلًا من إثراء المسؤولين ورجال الأعمال.
تمثل التحويلات المالية من المغتربين مصدرًا مهمًا آخر، بلغت نحو 100 مليار دولار في أفريقيا عام 2025، تلقت نيجيريا وحدها أكثر من 23 مليارًا منها. في كثير من الدول منخفضة الدخل، تتجاوز التحويلات 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد تقترب من نصفه في دول مثل لبنان وطاجيكستان وتونجا. كما تتجاوز في معظم الدول الفقيرة المساعدات الإنمائية والاستثمار الأجنبي المباشر كمصدر للتمويل الخارجي. تُستخدم هذه الأموال أساسًا لدعم الأسر، لكن بإمكان الحكومات الاستفادة منها بصورة أكبر عبر تشجيع التحويلات الرسمية وتوجيه جزء منها إلى الاستثمار والمشاريع الإنتاجية. تقدم نيجيريا نموذجًا واعدًا؛ إذ أنشأت عام 2019 هيئة لشؤون مواطنيها في الخارج، وأصدرت سندات موجهة للمغتربين لتمويل البنية التحتية والمشاريع الرأسمالية. يمكنها تعزيز هذا النهج عبر الاستفادة من خبرات مواطنيها في الخارج، وإنشاء حاضنات وبرامج تدريب، وتشجيع أصحاب المهارات على العودة والمساهمة في الاقتصاد المحلي.
ثمة مصدر دعم آخر يمكن للدول الضعيفة اللجوء إليه: جيرانها؛ فالدول المجاورة أكثر استعدادًا للمساعدة لأنها لا تريد أن يمتد عدم الاستقرار إلى حدودها، رغم أن بعض الدول قد تسهم في زعزعة استقرار جيرانها. لذلك، ينبغي للدول الضعيفة تعزيز تعاونها مع المؤسسات الإقليمية القائمة أو إنشاء مؤسسات جديدة عند الحاجة، لما تتمتع به من خبرات محلية وشرعية أكبر من المؤسسات العالمية.
حققت هذه المؤسسات نجاحات ملموسة في دعم الدول المتعثرة. فقد ساعدت هيئات إقليمية في تجنب انهيار الحكومات في هايتي وليبيريا وميانمار وسيراليون والصومال وجنوب السودان، كما يقدم الاتحاد الأفريقي دعمًا فنيًا لتحويل الموارد الطبيعية إلى استثمارات وفرص عمل، ويعمل على مبادرات في مجالات الحوكمة والسلام والأمن وتغير المناخ والصحة. تؤدي منظمات إقليمية أخرى أدوارًا مماثلة، فيما جعلت منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية القارة أكبر منطقة تجارة حرة جغرافية في العالم، ويتوقع البنك الدولي أن ترفع دخل أفريقيا بأكثر من 450 مليار دولار بحلول 2035.
رغم ذلك، تعاني المؤسسات الإقليمية من أوجه قصور. أخفقت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا في منع الانقلابات، وأسهمت العقوبات والتهديدات بالتدخل العسكري في دفع هذه الدول إلى الانسحاب من المجموعة. لكن ذلك لا يقلل من أهميتها؛ إذ ساهمت المجموعة في إنقاذ ليبيريا وسيراليون، واستعادة الديمقراطية في جامبيا وغينيا بيساو وساحل العاج، إلى جانب مبادراتها في التنمية والأمن الغذائي والصحة والتجارة. ولتحقيق نتائج مستدامة، ينبغي للمؤسسات الإقليمية إعطاء الأولوية لهذه المجالات التي تساعد على معالجة أسباب عدم الاستقرار.
لا يعني هذا أن حكومات الولايات المتحدة أو أوروبا أو غيرها من الدول المانحة الغنية كانت محقة في تقليص المساعدات. بل على العكس، ساهمت مساعداتها -ولا تزال تساهم- في تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة ودعم المبادرات المحلية. كما أنها تُمكن الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات متعددة الأطراف من تعزيز الدول النامية. سيكون من الأفضل للعالم لو أعادت هذه الحكومات ميزانيات مساعداتها. ينبغي عليها، كحد أدنى، توجيه المساعدات المشتركة نحو القضايا التي تكون فيها الدول الفقيرة والهشة أقل قدرة على مواجهة تحدياتها بنفسها، بما في ذلك التحول من الوقود الأحفوري والصحة العامة.
لكن من غير المرجح أن تتمكن هذه الجهات الفاعلة من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. فهي منشغلة بشكل متزايد بقضاياها الداخلية، وتخلت عن الدول الضعيفة. ويتعين على الدول النامية بذل جهد كبير في استغلال مواردها الطبيعية وتحويلاتها المالية لتعزيز قوتها. كما تحتاج إلى تحويل اهتمامها الدولي بعيدًا عن الدول الغنية والقوية، ونحو الحكومات الأقرب إليها. لم يعد الاعتماد على الذات والمساعدة الإقليمية الخيارين الأمثل فحسب، بل هما الخياران الوحيدان المتاحان.