أفكار وآراء

هل ظلمنا التعليم أم ظلمتنا المعايير؟

وإن كان الهدف من إلغاء حالة الاعتماد المؤسسي لكلية مزون الجامعية الذي تم في الفترة القليلة الماضية، يأتي في ظل سياسة الهيئة العمانية لضمان جودة التعليم في السير بفاعلية نحو تطبيق معايير الاعتماد المؤسسي لتجويد مخرجات التعليم العالي في ظل مراجعة شاملة لتحديث بيئة التعليم على المستوى الوطني بغية الوصول إلى مخرجات تعليمية جامعية مؤهلة علميا وفكريا وثقافيا تستطيع مواكبة التطور العلمي والبحثي الذي يسير بوتيرة من التنافسية العالمية بين مؤسسات التعليم العالي.

عليه، لا ينبغي النظر في قرارات إلغاء حالات الاعتماد المؤسسي لأي مؤسسة تعليمية بتحميل أوزار تلك القرارات على مؤسسات التعليم العالي منفردة، بأنها أخفقت في تنفيذ متطلبات المعايير المؤسسية التي تتعلق بعض منها: بجوانب الحوكمة، وتقدم الطلبة، والهيئة الأكاديمية، وإنما ينبغي النظر إلى قرارات حالات الإلغاء من جانب شمولي يستقرئ المآلات التي حدت بالهيئة الوصول إلى تلك القرارات.

وإلى الآثار المترتبة على بيئة تعلم الطلبة والهيئة الأكاديمية، وعلى الصورة الذهنية التي يحكم عليها أصحاب المصلحة، وإن كانت وزارة التعليم خففت من وقع تلك الآثار بأن إلغاء حالة الاعتماد لا يؤدي إلى إغلاق الكلية وتسريح الطلبة، وإنما هو قرار تقييمي يتطلب من إدارة المؤسسة التعليمية العمل بكفاءة أعلى نحو تصحيح الجوانب الجوهرية التي تحتاج إلى حلول تتوافق مع متطلبات الاعتماد المؤسسي.

لقد ظلمنا التعليم عندما وضعنا مفارقات في معدلات قبول طلبة الدراسات الجامعية بين الجامعات الحكومية والخاصة بتحديد نسب أعلى من مخرجات دبلوم التعليم للحصول على مقاعد في الجامعات والكليات الحكومية؛ لأن المنافسة على تخصصاتها عالية ولمراعاة جودة المخرجات.

بينما خُفف في تلك النسب للدراسة بالجامعات والكليات الخاصة حتى حدا بالبعض إلى اعتبار الشهادة الجامعية مستندا يقدمه لدواعي الترقية أو المنافسة في جوانب أخرى، وليس رحلة علمية أكاديمية مليئة بالتحديات.

لقد ظلمنا التعليم العالي عندما فتحنا الباب بمصراعيه للاستثمار من قبل القطاع الخاص، فأصبح هناك تسابق في إنشاء الجامعات والكليات الخاصة.

وبالتالي يكون لازما على الجهات الحكومية تقديم الدعم والرعاية والمتابعة لمؤسسات التعليم العالي الخاصة؛ لأنها قد تستطيع توفير التمويل في بدايات تكوين الجامعات، ولكن بعد مدة من الزمن تجد نفسها في صعوبة مالية من ضخ أموال إضافية على التعليم.

على سبيل المثال؛ هناك مبادرة استراتيجية من الحكومة ضمن برنامج «مسار وطن» والذي من أهدافه ابتعاث الطلبة العمانيين للدراسات العليا ليكونوا بعد ذلك ضمن الكفاءات الأكاديمية بمؤسسات التعليم العالي الخاصة.

ولكن في المقابل؛ ظلمتنا المعايير، فما أكثرها، وتعدد مسمياتها! فأصبحت تشكلا عبئا أكاديميا وإداريا لمؤسسات التعليم العالي في التأقلم مع تلك المعايير.

هناك معايير للاعتماد المؤسسي تنظر للمؤسسة بشكل شامل، وهناك معايير لاعتماد البرامج الأكاديمية تنظر لكل برنامج على حدة، وثالثة تتعلق بمراجعة البرامج الأكاديمية، والرابعة تتعلق بمتطلبات الإدراج للمؤهلات العلمية بالسجل الوطني. أيضا تقوم بعض الجامعات والكليات بالتوجه نحو الاعتماد الدولي للبرامج لرفع السمعة الأكاديمية.

تلك الاعتمادات والمراجعات عبارة عن معايير يجب على مؤسسات التعليم العالي الامتثال لها. ذلك الامتثال يحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد والموارد المالية والبشرية، ولكن في الجانب قد تكون ليست جميعها متطلبات دولية يجب الالتزام بها بالكامل.

لكي نقرب الصورة أكثر فإن الهيئة العمانية لضمان جودة التعليم لا تفرق بين مؤسسات التعليم العالي التي تحصل على اعتماد دولي لبرامجها الأكاديمية من مؤسسات دولية معترف بها، وإنما أيضا تطالبها بالامتثال لمراجعة تلك البرامج الأكاديمية من الهيئة واجتياز المعايير المحددة. وبالتالي يكون البرنامج الأكاديمي نفسه قد خضع للاعتماد مرتين: الأولى من مؤسسات دولية، والثانية تحت إشراف الهيئة.

ولعل المعايير ظلمتنا قياسا على ما ذكره بعض المفكرين من خطورة تغلغل ثقافة التوسع في متطلبات توثيق الأدلة مما يؤدي إلى الإفراط في تعدد المعايير الأكاديمية، ويحولها من أدوات لتحسين الجودة التعليمية إلى أهداف رئيسة تهتم بالسياسات والإجراءات والقوانين والتشريعات أكثر من الحاجة إلى المعرفة الحقيقية بما يجري في البيئة التعليمية، ومعرفة وتقييم التحديات بشكل مؤسسي.

فهذا أكثر أهمية من مجرد وضع ختم مؤسسي بأن تلك الجامعة أو الكلية أصبحت «معتمدة»؛ لأنها اجتازت جميع المعايير، أو «غير معتمدة»؛ لأنها أخفقت في بعض منها.

لقد ظلمنا التعليم عندما تم التوسع في إنشاء الجامعات والكليات الخاصة حتى وصل عددها إلى ست وعشرين جامعة وكلية خاصة تقريبا متفوقا على أعداد الجامعات والكليات الحكومية.

وقد تكون الأهداف سامية من زيادة المؤسسات التعليمية الخاصة في دخول أعداد أكثر من مخرجات دبلوم التعليم العام.

إلا أن الأرقام تشير إلى ارتفاع تلك المخرجات التي لم تحصل على مقاعد دراسية عبر القبول الموحد ليصل عددهم إلى ما يزيد قليلا على سبعة وعشرين ألف طالب حسب إحصاءات العام الأكاديمي المنتهي في (2025).

وإن كان من ضمن أسباب ارتفاع ذلك العدد عدم قيام الطلبة بالتسجيل في نظام القبول الموحد فهذا شأن يتحمله الطلبة بأنفسهم، ولكن عندما يكون من الأسباب الرئيسة هو عدم تمكن الطلبة من استيفاء شروط القبول للبرامج المطروحة، فهذا يفتح الباب واسعا للنقاش في الفجوة بين اشتراطات التخصصات العلمية والإنسانية للبرامج الأكاديمية المطروحة مع نوعية المواد الدراسية التي يدرسها طلبة دبلوم التعليم العام، والتي لم تؤهلهم في الحصول على مقاعد دراسية لاستكمال دراستهم الجامعية.

أيضا، مؤسسات التعليم العالي، وما تقوم به من أهداف تعليمية وبحثية وخدمة المجتمع، وما تقدمه من برامج أكاديمية تخصصية، قد ينطبق عليها أحد مفاهيم النظرية المؤسسية في التشابه وتقليد المؤسسات المماثلة لها.

وبالتالي، فرض سلسلة من المعايير الموحدة قد يضعها تحت ضغوط قسرية في درجة الالتزام بالمعايير التي تفرضها الهيئات أو المنظمات المختصة بالاعتماد.

تلك الاعتمادات سواء كانت مؤسسية أو برامجية لا تراعي نوعية وهيكلية المؤسسة التعليمية من حيث إن هناك جامعات وكليات حكومية لها موارد بشرية ومالية مستدامة، وتحظى بالدعم المالي السنوي لميزانياتها.

بينما في المقابل هناك جامعات وكليات خاصة مواردها المالية والبشرية محدودة، وبالتالي قلما نجد إلغاء حالة الاعتماد المؤسسي لأي جامعة أو كلية حكومية وأغلب الإلغاءات كانت لمؤسسات التعليم العالي الخاصة.

هكذا تعميم للمعايير يضع سؤالا بريئا حول فاعلية تطبيق تلك المعايير بصورة موحدة لمؤسسات متجانسة في خدماتها التعليمية، ولكنها مختلفة تماما في حجمها من حيث أعداد الطلبة على مستوى الدراسات الجامعية والعليا، وأيضا في حجم مواردها البشرية والمالية.

هناك من يضع اللوم على الهيئة العمانية لضمان جودة التعليم عند تحديثها للمعايير المؤسسية؛ فهي ألغت معيارا رئيسيا (يندرج به مقاييس فرعية) يتعلق بالجوانب المالية مع الأهمية النسبية لذلك المعيار لمؤسسات التعليم العالي الخاصة؛ حيث يساعدها على الاهتمام أكثر بالموارد المالية التي هي حجر الزاوية في العمليات التشغيلية لتلك المؤسسات التعليمية الخاصة.

من أجل ذلك نأمل ألا تقف حالة إلغاء الاعتماد المؤسسي لأية كلية عند نقطة الامتثال للمعايير المؤسسية، بل يجب النظر إلى مؤسسات التعليم العالي الخاصة بصفة عامة لتجنب الوقوع في حالات مماثلة مستقبلا.

كما أن تلك المؤسسات بحاجة إلى مزيد من الرعاية والاهتمام والدعم من الجهات الحكومية؛ نظرا لأنها تقدم خدمات تعليمية للمجتمع، وتساعد في توسيع شريحة الملتحقين بالتعليم العالي.