أفكار وآراء

صراع الإرادات ونموذج كارتر

ما يدور الآن في منطقة الخليج العربي هو صراع الإرادات بين الولايات المتحدة الأمريكية، التي شنت الحرب، وإيران التي استطاعت، وبقراءة موضوعية وحيادية في التحليل أن تجهض المخطط الأمريكي الإسرائيلي لإسقاط النظام الإيراني وإيجاد نظام موالٍ، من خلاله تنطلق خريطة الشرق الأوسط الجديد وتنفيذ مخطط إسرائيل الكبرى كما تحدث عنها نتنياهو من خلال عرضه للخريطة والتمدد الجغرافي في المنطقة العربية.

وفي ظل الجمود السياسي، رغم جهود الوسطاء وفي مقدمتهم بلادنا سلطنة عمان إلى جانب باكستان وقطر، تبدو حالة «اللاحرب واللاسلم» خطيرة لأن صراع الإرادات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران قد يشهد انفلاتا كبيرا يؤدي إلى حرب كبرى مدمرة للمنطقة ومقدراتها، وكان تنفيذ مذكرة التفاهم يمثل فرصة حقيقية لخفض التصعيد وفتح الطريق أمام تسوية سياسية، غير أن الجانب الأمريكي لم ينفذ البند الخامس منها، بما يقود إلى الوقف الكامل للحرب، فيما واصل الجانب الإيراني إغلاق مضيق هرمز واستهداف السفن التجارية، في إطار صراع الإرادات التي عادة ما تميز حروب الاستنزاف.

المفاوضات العمانية الإيرانية وصلت مرحلة متقدمة فيما يخص إيجاد مسار آمن للملاحة البحرية، ومع ذلك فإن الوقت يضغط على الرئيس الأمريكي ترامب فيما يخص الانتخابات النصفية للكونجرس في شهر نوفمبر القادم، وهنا نرجع إلى الاستراتيجية الإيرانية التي نجحت عام ١٩٧٩ في إسقاط الرئيس الأمريكي الأسبق الراحل جيمي كارتر عندما رفض الجانب الأمريكي الجهود الدبلوماسية في الإفراج عن عدد من الدبلوماسيين المحتجزين في السفارة الأمريكية في طهران بعد قيام الثورة الإسلامية التي قادها الخميني.

ومن هنا فإن التاريخ أحيانا يستخدم كأسلوب في التخطيط، والسؤال الأساسي هنا هل الاستراتيجية الإيرانية تهدف إلى وصول موعد الانتخابات النصفية للكونجرس في شهر نوفمبر القادم والأمور ما تزال تراوح مكانها والرئيس ترامب في وضع صعب وفشل في فتح مضيق هرمز.

الحالة الراهنة في المشهد السياسي تقترب من ذلك وإن كانت الظروف لا تتطابق ومع ذلك فإن مشهد عام ١٩٧٩ في تصوري لا يزال حاضرا في الذهنية الاستراتيجية الإيرانية.

الأصوات بدأت ترتفع داخل الولايات المتحدة الأمريكية من خلال جملة من المعطيات وفي مقدمتها فقدان المخزون من الصواريخ الموجهة وحالة الضجر بين القيادات العسكرية في وزارة الحرب وعدم تحقيق حتى بعض الأهداف التي قد تشكل مخرجا لإدارة الرئيس الأمريكي ترامب.

وعلى صعيد الطاقة والتضخم هناك استنزاف للمخزون الأمريكي من الاحتياط، وهذه مسألة حساسة. كما أن الرأي العام الأمريكي بدأ يتحدث عن زيارة أسعار البنزين والتضخم وزيادة الأسعار، مع بدء الحملات الانتخابات النصفية للكونجرس في عدد من الولايات وهي انتخابات تمهيدية، علاوة على ذلك فان إخضاع إيران للشروط الأمريكية فشل فشلا ذريعا، مع الاعتراف بان الاقتصاد الإيراني يعاني الأمرين، ولكن الحصار الاقتصادي على إيران متواصل منذ عام ١٩٧٩ وقطع العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران.

إن الإعلان عن تولي قيادات عسكرية إيرانية في المناصب العليا تعطي رسالة بأن حالة اللاحرب واللاسلم لا يمكن أن تستمر، خاصة في الحالة الأمريكية في ظل ضغط الوقت على الرئيس الأمريكي ترامب، حيث يزحف شهر سبتمبر وعندها يتبقى شهران فقط، فيما يتساءل الرأي العام الأمريكي عن جدوى الحرب وما هي نتائج تلك الحرب على المصالح الأمريكية.

وفي تصوري فإن من أهم نتائج الحرب الآن وحتى في المستقبل بأن هيبة الدولة الأمريكية أصبحت في حرج كبير، خاصة وأن الحرب تجري بين أقوى قوة عسكرية واقتصادية في العالم ودولة نامية محاصرة منذ أكثر من أربعة عقود ولا تمتلك الإمكانات العسكرية ورغم ذلك كان للجغرافيا دورها، كما كان الحال في حروب أمريكا في فيتنام وأفغانستان والصومال حيث كان لعامل الجغرافيا دور محوري يتعدى القوة العسكرية الجوية بالتحديد.

وأمام هذا المشهد السياسي فإن التكتيك الإيراني هو المراهنة على الوقت مع الصبر الاستراتيجي والوصول بالحالة السياسية إلى أقرب فترة زمنية من انطلاق الانتخابات النصفية للكونجرس.

قد يتساءل البعض عن أهمية الانتخابات النصفية للكونجرس لإيران، والجواب أن دخول الحزب الجمهوري للانتخابات في ظل عدم تحقيق أهداف محددة ضد إيران خاصة فتح مضيق هرمز بشكل كامل سوف يجعل الفرصة كبيرة للحزب الديمقراطي للفوز بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وإذا حدث ذلك فإن وضع الرئيس الأمريكي ترامب سوف يكون في غاية الصعوبة والتعقيد وسوف تكون سيطرة الحزب الديمقراطي مقدمة لمسار كارثي فيما يخص مستقبل الرئيس الأمريكي ترامب السياسي.

ومن هنا فإن الاستراتيجية الإيرانية قد تكون وضعت عامل الزمن في الاعتبار من خلال المزج بين الجهود الدبلوماسية على صعيد إيجاد حل مؤقت للملاحة في مضيق هرمز والرهان على الوقت مع وجود الخلافات داخل الولايات المتحدة الأمريكية على صعيد الرؤى المختلفة.

وكما تمت الإشارة في مقال سابق، حول المقاربة السياسية بين حرب السويس وانتهاء الإمبراطورية البريطانية مع استنزاف الإمبراطورية الأمريكية هيبتها وقوتها من خلال الحروب، فإن المقاربة السياسية بين ما حدث للرئيس الأمريكي الأسبق الراحل كارتر عام ١٩٧٩ وسقوطه في الانتخابات للوصول إلى البيت الأبيض بسبب إصرار إيران على عدم الإفراج عن الرهائن، وبين الوضع الحالي خاصة صراع الإرادات في مضيق هرمز.

وبصرف النظر عن مدى تحقق تلك المقاربة السياسية، فإن شيئا من ملامح التشابه بين المرحلتين، أي بين عامي 1979 و2026، يبدو واضحا عند قراءة السياق التاريخي وتتبع تسلسل الأحداث.

ويبقى السؤال: هل تنجح الاستراتيجية الإيرانية للمرة الثانية مستفيدة من المشهد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة؟ أم أن مسار الأحداث سيتجه بعيدًا كليًا عن نتائج عام 1979، سواء بفعل تطورات الأحداث نفسها، أو بنجاح الدبلوماسية، أو بانفجار حرب كبرى تغير من ملامح المنطقة بصورة كارثية؟.