أفكار وآراء

الأوليغارشيّة الأمريكيّة الجديدة

الصّحيفة البريطانيّة الشّهيرة فاينانشال تايمز Financial Times نشرت هذا الأسبوع مقالة للأمريكيّ أوليفر رودر بعنوان: «الأوليغارشيّة الأمريكية الجديدة»، وفكرة المقالة أنّ الأثرياء سابقا لهم تأثيرهم في العمل الدّيمقراطيّ وقت الانتخابات خصوصا، وتأثيرهم يكون في الخارج، أمّا اليوم فقد أصبح الأثرياء هم من يمارس العمل والتّأثير السّياسيّ داخل البيت الأبيض ذاته.

وسؤال المقالة: هل انتهت العمليّة الدّيمقراطيّة في أمريكا؟ حيث «يمتلك عدد قليل جدّا من المليارديرات الثّروة، ويمولون الانتخابات، ويسيطر بعضهم على شركات التّكنولوجيا والإعلام، ويصلون مباشرة إلى دوائر صناعة القرار».

وترى المقالة أنّ «أكثر من مائة عائلة من المانحين المليارديرات أنفقت نحو 2.6 مليار دولار في انتخابات 2024م، كما كان إيلون ماسك وميريام أديلسون وتيموثي ميلون مسؤولين عن نسبة كبيرة من الأموال الّتي دعمت عودة ترامب إلى البيت الأبيض».

والسّؤال الثّاني: أين يذهب صوت المواطن الأمريكيّ؟ المقالة تشير إلى أنّه يملك صوتا واحدا، «لكن ليس كلّ مواطن يملك القدرة نفسها على تشكيل المجال السّياسيّ قبل وصول النّاخب إلى صندوق الاقتراع»، ثمّ لا يملك التّأثير بعد نهاية الانتخابات، وهذا لم يعد محصورا على الجمهوريّين، بل يشمل كذلك الدّيمقراطيّين.

العمل الدّيمقراطيّ نزعته قائمة على حكم الشّعب من خلال الأكثريّة، وانطلاقته الفلسفيّة باعتبار أنّ الفرد بذاته موضع حقوق أي اعتباره مستقلّا بذاته صانعا لوجوده بمطلق حرّيّته وإرادته.

والدّيمقراطيّة في أصلها محاولة للخروج من الحكم المطلق أي حكم الفرد في القرون الوسطى؛ فهي حرب على الدّيكتاتوريّة أي الحكم الشّامل لفرد أو عائلة دون شراك تعاقديّ، وفي الوقت ذاته هي ضدّ البلوتوقراطيّة أي التّأثير المطلق من قبل الأثرياء أفرادا أو أسرا أو مؤسّسات اقتصاديّة وماليّة على الدّولة ذاتها.

يبقى سؤال: أين نضع الأوليغارشيّة؟ الأوليغارشيّة في الفلسفة اليونانيّة هي حكم القلّة وراثة، أو تغلّبا (حكم العسكر)، أو بسبب المال والثّراء، والوراثة والعسكر يقودان إلى المال والثّراء، أو يكون للأسر والشّركات الثّريّة تأثير في عملها وقراراتها، لذا هي أقرب إلى البلوتوقراطيّة في الواقع.

نجد من الفلسفات الأمريكيّة من ترى أنّ الدّيمقراطيّة بالمفهوم اليوناني القديم، أو بمفهوم ما بعد عصر الأنوار انتهت تقريبا واقعا في القطب الواحد خصوصا، أي الولايات المتحدة الأمريكيّة، ومن هؤلاء الأمريكيّ موراي روثبارد (ت: 1995م) الّذي حاول الاقتراب من الرأسماليّة النّمساويّة القائمة نزعة الفرد الماليّة المطلقة تحت مظلّة اللّيبرتاريّة الحديثة، أي التّحرّريّة من سلطة الدّولة، وهيمنتها على الحرّيّات الماليّة الفرديّة باسم الدّيمقراطيّة، فيرون أنّها في الواقع أقرب إلى البلوتوقراطيّة وليست إلى حكم الشّعب.

ثمّ تأثّر الألمانيّ هانز هيرمان هوبا بروثبارد، ليضع كتابه: «الدّيموقراطيّة: الإله الّذي فشل».

إذا كانت اللّيبرتاريّة الحديثة تركز على حرّيّة الفرد واستقلاليّته الماليّة في هذا قد تتقاطع معها الأوليغارشيّة؛ ليكون المدار هو المال والضّرائب أكثر من الإنسان ذاته، أي ينتقل من كونه موضع حقوق إلى كونه موضع سلعة، لهذا تؤدّي اللّيبرتاريّة المتطرّفة أيضا في النّهاية إلى تمكين طبقيّة الأقليّة ليس من خلال الدّولة، وإنّما من خلال حركة اقتصاد المجتمع ذاته، فعند هانز هوبا مثلا «أنّ الثّروات الموجودة في بطن الأرض، كالسّمك الموجود في البحار، وحتّى الطّرقات والشّوارع والمطارات؛ هذه ليست موارد عامّة، حسب التّصورات اللّيبرتاريّة إمّا أن تكون موارد خاصّة يمتلكها شخص أو جهة، أو مشاعات قابلة للتّخصيص إذا اشتغل شخص ما عليها، واستثمر فيها، ثمّ تصبح ملكا له بشكل ما».

بينما أصل النّظريّة التّعاقديّة القائمة في الدّيمقراطيّة كما عند جون لوك (ت: 1704م) لا تقوم «على أساس القوّة والإكراه، بل تقوم على أساس الاختيار والرّضا المتبادل بين الأفراد، وإنّ الغاية من ذلك الاجتماع المدنيّ هي المحافظة على الملكيّة الّتي تعني حقّ الحياة والحرّيّة والتّملك» بمعنى «كلّ سلطات الحكومة المدنيّة لا تتعلّق إلّا بالمصالح المدنيّة»، أي أنّ الإنسان كفرد هو موضع حقوق في الدّولة.

الأوليغارشيّة الأمريكيّة قد يكون تأثيرها داخليّا أقلّ من التّأثير الخارجيّ؛ فداخليّا قد يضعف بحكم الدّستور الأمريكيّ القائم على كونها جمهوريّة دستوريّة اتحاديّة مع توزيع السّلطات بين الحكومة الاتّحادية وحكومات الولايات إضافة إلى فصل السّلطات، وعدم شموليّة الحكومة المركزيّة، مثال هذا فوز زهران ممداني بانتخابات عمدة مدينة نيويورك، وهو مسلم مناصر للقضيّة الفلسطينيّة رغم غلبة التّأثير الماليّ في أمريكا لصالح إسرائيل.

الأوليغارشيّة الأمريكيّة بصورتها البلوتوقراطيّة ظاهرة في السّياسات الخارجيّة الأمريكيّة، خصوصا في عهد ترامب، فلمّا زار الخليج في مايو 2025م حمل معه أثرياء الشّركات والاقتصاد والبنوك في أمريكا. قد تكون الزّيارة اقتصاديّة، ولكن لها بعد حينما يكون الأثرياء هم أصحاب التّأثير في السّياسات الأمريكيّة الخارجيّة، وقد يكون لذلك ارتباط لما نجد أثره اليوم في الحرب الأخيرة، وقضيّة مضيق هرمز، والقضيّة الأوكرانيّة، وشبه الحرب الباردة مع الصّين.

لا يحرّك هذا كلّه عقل سياسيّ متهور فحسب، بل يُدعم من قبل منظمات وشركات ودول ماليّا مقابل مصالح سياسيّة أو أيديولوجيّة أو ثقافيّة معينة يؤمن بها بعض الأثرياء.

خطورة الأوليغارشيّة من جهة أخرى عندما تتمدّد أفقيّا إلى الدّول ذات النّزعة الدّكتاتوريّة، أو الحكم الشّموليّ المطلق، أو حكم العسكر حيث لا يوجد هناك مؤسّسات مجتمع مدنيّ تدافع عن فردانيّة الإنسان وكرامته كموضع حقوق، ولا يوجد فصل حقيقيّ للسّلطات؛ حيث تتعامل الدّولة مع الفرد بشكل شموليّ أنّه موضع سلعة، فلا يملك أن يقول رأيا خارج رأي السّلطة، والسّلطة هنا هي الأقليّة الحاكمة تحت منطلقات أيديولوجيّة أو غيرها، ومدارها ليس ذاتيّة الإنسان، وإنّما المال. لهذا عودة الدّراسات «الإنسانويّة» حالة ضروريّة، وقراءة الدّولة وفق النّزعة الإنسانيّة له أهميّته، في ظلّ تمدّد الأوليغارشيّة، وهذه ينطبق ذاته على العلاقات الخارجيّة بين الدّول.