أفكار وآراء

الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى تعاون صيني أمريكي.. إيلون ماسك يمكنه المساعدة

ترجمة - أحمد بن عبدالله الكلباني

الكثير من الجدل يثار حول «إيلون ماسك» في علاقته مع الوسط الأمريكي الحاكم، إلا أنه قد يثبت قدرته المفاجئة في الحد من قوة التنافس الصيني الأمريكي الذي تفاقم يوما بعد يوم بسبب الذكاء الاصطناعي.

في يونيو الماضي حينما تم الإعلان عن إدراج شركة «سبيس إكس» في البورصة صاحب ذلك بعد فترة وجيزة، الإعلان عن أن «إيلون ماسك» أول تريليونير في العالم. هذا الإنجاز يمكن ملاحظته، إلا أنه قد غطى على أمرين حقيقيين مزعجين كثيرا حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.

الأمر الأول يتعلق بالتركيز القوي على الثروة المالية التي يصحبها نفوذ كبير بين نخبة أثرياء التكنولوجيا في العالم؛ فالثروة التي يملكها «إيلون ماسك» لا تمثل إنجازا شخصيا بقدر ما تشكل الفجوة الكبيرة بين من يمثلون الاقتصاد الرقمي وبين عامة الناس.

أما الأمر الثاني، وهو أكثر أهمية، فإنه يتمثل في كون هذه الدائرة من أثرياء التكنولوجيا هي نفسها التي تقود بشكل متزايد تطوير تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، وتكمن هذه الحقيقة المزعجة في أنه لا ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي، وهو الذي يشكل حاليا مستقبل الاقتصادات والسياسات الحياتية اليومية، لا ينبغي أن يكون مساره محددا من قبل قلة ثرية لا تخضع في الغالب لاستشارات عامة الناس.

وأعني فيما سبق قادة الذكاء الاصطناعي الأمريكيين، ولكن مع دخول الصين في هذا المجال أصبحت الفجوة أضيق، وهي تضيق شيئا فشيئا مع مرور الوقت، حتى باتت تقنيات الذكاء الاصطناعي الصينية تقارن بالأمريكية، وقد تتفوق عليها، ومن ذلك ما تم الإعلان عنه من قبل الشركة الصينية «مونشوت إيه آي» التي قدمت نموذجا للذكاء الاصطناعي يسمى «كيمي كيه 3»، وقد أذهل هذا النموذج مراكز تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي محققا أداء يضاهي، بل يتفوق على الأنظمة الأمريكية الرائدة في المعالجة والبرمجة.

وقد كان الرد الأمريكي على ذلك متوقعا؛ فقد دفع التقدم الصيني الولايات المتحدة الأمريكية إلى زيادة حدة خطاباتها الجيوسياسية القائمة على مبدأي الربح والخسارة، حتى إن الكونجرس في إحدى جلساته قد تطرق إلى هذا الأمر معتبرا أنه تهديد صيني؛ فقد ذكر السيناتور «جيم بانكس» أنه الأمر المهم في المستقبل الأمريكي أن تتفوق على الصين معربا عن أنه لا يوجد شيء أهم من ذلك!

وقال السيناتور «جيم بانكس»: «الدولة الرائدة في مجالات الذكاء الاصطناعي هي من تحدد قواعد الاقتصاد العالمي، كما أنها سوف تستحوذ على التفوق العسكري».

هذه المنافسة التي تتصاعد يوما بعد يوم بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين تشكل مخاطر وجودية، ومن أهمها التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي المستخدم لأغراض عسكرية، والذي بإمكانه إحداث دمار غير مسبوق، وما يشكل خطرا حقيقيا كذلك إذا ما استخدمت بعض الدول العدائية هذه التقنيات، وكذلك إذا ما استخدمتها الجماعات المتطرفة.

وهناك تهديد آخر قد لا يكون مأخوذا بمحمل الجد في الفترة الحالية، هو أن تنشئ تقنيات الذكاء الاصطناعي «برمجيات متمردة» على البشرية، ومن مخاطرها الحالية استخداماتها غير المنظمة ولا المنهجية من قبل المؤسسات والأفراد، خاصة في غياب التقنين إلى حد كبير؛ لذلك على الولايات المتحدة الأمريكية والصين وضع ضوابط أساسية، وإلا فالانهيار الهيكلي للذكاء الاصطناعي العالمي سيكون أمرا حتميا.

في مايو الماضي بعد زيارة الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» إلى بكين اتفقت الولايات المتحدة والصين على عقد محادثات تهدف إلى وضع ضوابط أساسية لتنظيم الذكاء الاصطناعي، إلا أن واشنطن لا تزال ترسل رسائل متباينة بشأن هذا الملف. ففي يونيو الماضي تناول رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي «براين ماست» المنافسة بين الولايات المتحدة والصين بمنطق قائم على مبدأ الربح والخسارة واصفا الولايات المتحدة بأنها «البطل الخارق» فيما وصف الصين بأنها «الشرير الخارق»!

وفي المقابل أكد الرئيس الصيني «شي جين بينغ» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي الذي عقد في شنغهاي أنه لا ينبغي لأي دولة أن تحتكر الذكاء الاصطناعي معلنا التزام الصين بمساعدة دول الجنوب العالمي على تضييق الفجوة في هذا المجال.

وبينما تسعى بكين إلى تقديم نفسها بوصفها داعما للتعاون الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي لا تزال الولايات المتحدة عالقة بين النظر إلى الصين باعتبارها منافسا استراتيجيا، وبين إدراك أنها شريك لا غنى عنه في وضع الأطر المنظمة لحوكمة الذكاء الاصطناعي.

ولا يقتصر هذا التردد على السياسة الخارجية؛ فهو يمتد أيضا إلى إدارة قطاع التكنولوجيا داخل الولايات المتحدة، إذ انتهجت الجهات التنظيمية الأمريكية لسنوات سياسة تقوم على الحد الأدنى من التدخل، غير أن المخاوف المتعلقة بالأمن القومي دفعت الحكومة مؤخرا إلى فرض قيود على نموذج «أنثروبيك ميثوس 5»، الأمر الذي أثار اعتراضات واسعة في أوساط شركات التكنولوجيا في «وادي السيليكون» التي ترى أن الإفراط في فرض القيود التنظيمية قد يبطئ وتيرة الابتكار، ويحد التفوق التكنولوجي الأمريكي على الصين.

وبالمقارنة مع شركات التكنولوجيا الصينية التي تخضع لإشراف حكومي صارم تتمتع شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة بنفوذ اقتصادي وسياسي استثنائي. ويعد مشروع «ستار لينك» التابع لـ«إيلون ماسك» أحد أبرز الأمثلة على ذلك؛ إذ تحول إلى شبكة اتصالات عالمية تمتلك قدرات كانت في السابق ترتبط بالدول أكثر من ارتباطها بالشركات.

ولا تتوقف طموحات «إيلون ماسك» عند حدود الأرض؛ فهو يتبنى رؤية تقوم على جعل البشرية كائنا متعدد الكواكب، لكنه في الوقت نفسه يعد شخصية سياسية مثيرة للجدل؛ إذ يقدم نفسه مدافعا عن الحضارة الغربية، كما تشير تقارير إلى دعمه حركات اليمين في أوروبا.

وليس «إيلون ماسك» وحده من يتبنى هذا التوجه؛ فهناك شخصيات أخرى -مثل «بيتر ثيل» و«أليكس كارب»- يمزجون بين الأيديولوجيا وإدارة الدولة والأمن القومي في رؤيتهم للعالم. ويعتبر هذا التيار أن الذكاء الاصطناعي يمثل محور المنافسة مع الصين، وقد دفع باتجاه تبني موقف أمريكي أكثر تشددا تجاه بكين.

وخلال حديثه في «معهد هدسون» لخص «أليكس كارب» الرئيس التنفيذي لشركة «بالانتير» طبيعة هذا الصراع بقوله: «لا توجد سوى ثقافتين ستنتصران: إما نحن وإما الصين»!

وأضاف أن الولايات المتحدة إذا لم تحافظ على مكانتها بوصفها الثقافة التكنولوجية المهيمنة في العالم فإن القيم التي يعتز بها الأمريكيون لن تستمر، وهو ما يعكس تنامي نفوذ كبار أثرياء التكنولوجيا المتشددين الذين أصبحوا يؤدون دورا مؤثرا في رسم ملامح التكنولوجيا، والأهم من ذلك في تشكيل المشهد الجيوسياسي المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك فإن قادة قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة لا يتبنون جميعا هذا النهج المتشدد تجاه الصين؛ فقد دافع «إيلون ماسك» في الغالب عن سياسة تقوم على التعاون العملي بدلا من المواجهة مؤكدا أن التعاون بين البلدين يظل ضرورة في القضايا ذات المصالح المشتركة.

وربما تكمن الأهمية الحقيقية لـ«إيلون ماسك» في هذا الجانب، فكلما ازدادت المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتشابكت مع العلاقات الأمريكية الصينية ازدادت أهمية الأصوات التي تدعو إلى التعاون بدلا من القطيعة؛ لما يمكن أن تؤديه من دور في تعزيز الاستقرار.

وبطبيعة الحال لا يزال «إيلون ماسك» شخصية تثير الانقسام؛ فقد دفعت مواقفه السياسية كثيرين إلى انتقاده، كما أن ثروته الضخمة تثير مخاوف مشروعة بشأن تركز النفوذ في أيدي شركات التكنولوجيا الكبرى، إلا أن موقعه الفريد يمنحه في المقابل قدرة استثنائية على التأثير.

فبصفته رئيسا لشركتي «إكس إيه آي» و«سبيس إكس» يتمتع إيلون ماسك بنفوذ واسع داخل واشنطن في حين أن الحضور الصناعي الكبير لشركة «تسلا» في شنغهاي أتاح له وصولا نادرا إلى كبار المسؤولين الصينيين، وهي مكانة لا يحظى بها سوى عدد محدود من قادة الأعمال في العاصمتين.

وفي وقت أصبحت فيه القنوات الدبلوماسية التقليدية شبه مشلولة بفعل انعدام الثقة المتبادل؛ فقد يكون «إيلون ماسك» يمتلك مصالح كبرى لدى الجانبين هو الشخص الوحيد القادر على إقناع القوتين العظميين بأن التعاون في مواجهة مخاطر الذكاء الاصطناعي المنفلت، والأهم من ذلك الدول المتمردة، ليس علامة ضعف، بل ضرورة تفرضها مصلحة البقاء المشتركة.