أعمدة

سينما الفكرة

أشاهد الأفلام العربية والمصرية منها بشكل أوفر، ومن الصعب أن أجد فيلما يقنعني ويدفعني إلى التفكير ويؤدي إلى الاستمتاع به.

فقد كدت أفقد متعة عاشها جيلي وعايشها مع جماعة الواقعية الجديدة في السينما التي برع فيها عاطف الطيب في أعمالٍ ما زالت تلاقي في أنفسنا أثرًا ووقْعًا، «سوّاق الأتوبيس»، «البريء»، «الهروب»، «دماء على الأسفلت»، «ناجي العليّ»، وخيري بشارة في رؤية عميقة تخرج عن سينما الرداءة اليومية، وآثار التجميل، وتنفذ إلى روح الحياة اليوميّة للإنسان، في هزله وجدّه، في نحسه وأمله، منها آثار لم يُبلها الزمن، ولم يأكلها النسيان، مثل: «يوم مر يوم حلو»، «الطوق والإسورة»، «إشارة مرور»، وهو الفيلم الذي غيَّر منظوري للسينما، وأدركت منها قدرة المخرج على صناعة شخصيّاته، وعلى إعادة تشكيلها، ومنه أيضا وقفت على سينما التفاصيل.

مخرج ثالث في هذه النخبة التي ساهمت في صناعة ذوقنا الفني، هو محمد خان الذي زانت أفلامه حياتَنا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حيث سادت السينما التجارية، وتدنّت أغلب الأعمال إلى مهاوي الرداءة، فكانت أعمال محمد خان ومَن نحا نحوه من مدرسته التي غلّبت ذائقة فرجويّة نخبويّة، وهذّبت سائدًا ملؤها التفقير الفكري والتسطيح.

محمد خان، كان فعلا لحظةً سينمائيّة فارقة في تاريخ السينما المصريّة والعربيّة، وقد قدّم أعمالا تاريخية صُنّفت من ضمن أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما.

في الذكرى العاشرة للمخرج المصري الانتماء البريطاني الجنسيّة الباكستاني الأصل محمد خان أتذكّر فضاءً معرفيّا تامّا تجمّعت فيه نخبة واعية واعدة من صُنّاع المشهد الثقافي في السينما والأدب والنقد والفكر والموسيقى، نخبة ارتقت بالحال الثقافي وقاومت التدجين والتجهيل، فمحمد خان لم يكن ظاهرة منفردة، معزولة، وإنما هو خيط من نسيج ثقافي متنوّع، جمال الغيطاني، إدوار الخراط، منيف، محمود درويش، وحيد حامد، أسامة أنور عكاشة، بشير صديق الديك، الذي ساهم بأعمال هامة في حركة الحساسية الجديدة، وفي أفلام محمد خان تحديدا، بتوفير أرضيّة نصية عمل عليها المخرج. هؤلاء، وغيرهم كثر من مختلف منابت الإبداع، موسيقى، رسما، كتابةً، تمثيلا واعيا، قدّموا أعمالا تاريخيّة، فارقة، ما زال وقعها ساريًا، اهتمّت بالإنسان في جوهر وجوده.

وكان لمحمد خان مكانة ومنزلة، إذ أخرج أعمالا لا تقوم على الإثارة والحركة والهزل الساذج، والتهريج، بل نهج نهْج العمق النفسيّ في تسليط الكاميرا على شخصيّات تئنّ من أثر واقعٍ ضاغطٍ، تجلّى ذلك في عملٍ مؤثّر ، عنوانه، «موعد على العشاء» 1981، بإيقاعه الصامت وأبعاده النفسية والاجتماعيّة العميقة، تركَّز التبئير على شخصيّةٍ أدّتها الممثّلة سعاد حسني، اتخذت اسم نوال، أبدع محمد خان في استثمار صمتها ونقل إحساسها بعمق الألم والضيم نتاج سيطرة الزوج النافذ بماله واستطاعته وإجرامه على حياتها، وسلْب ابتسامتها ونزْع الفرحة عنها، ويتمّ أساها بموت أمها وقتْل حبيبها، وعمل الزوج على استرجاعها غصْبًا عن إرادتها، ويجعل محمد خان من شكري، حلاّق النساء، متنفسًا لهذا الألم، ونافذةً صغيرة على الضياء لا تغيّر مجرى الوقائع ولا أن تنقذ أصحابها، وإنّما يكون التسميم هو المنتهى، في حفل عشاء جامع بين الطليقين، في نهاية مأساوية تمنع استحقاق الحياة للظالم والمظلوم، في بيانٍ واضح لفساد السلطة وقدرتها على القتْل والإفناء وتكدير الحياة وقلْب السعادة بؤسًا، وكذا الحال في أزمة المرأة المقهورة من قبل سلطة الرجل السلطة، في فيلم «زوجة رجل مهمّ»، وقس على ذلك أعمالا أخرى اهتمّت بالإنسان في دقائق حياته.

من سمات سينما محمد خان ونخبته التي ذكرناها آنفًا، التركيز على الإنسان، وتوجيه الكاميرا إلى تفاصيل دقيقة وجزئيّة.

جديرٌ بالملاحظة بناء الشخصيات في أعمال محمد خان، فهي شخصيات معقّدة، حاملة لثقل واقعها الخاص ولأملٍ يبدو مجهَضًا، لا تُفرَد الشخصية بصورة مثالية ولا مُجمَلة ولا محسَنة، وإنما هي ملتقَطة من عمق واقعها، في حركتها، في ملامحها، ويستعين في بناء هذه الشخصيات باللقطات الجزئية المركّزة، وبصوت الشارع النابض، يجول محمد خان بشاشته، بعينه الرائية في تصوير الواقع الخارجي، بسوئه وجماله، بألوانه القاتمة، وتهتز الكاميرا المحمولة، التي يُخيِّر استعمالها.

وُسِمت هذه المدرسة، وهذا التوجّه بالواقعيّة الجديدة، الواقعيّة التي لا تنسخ الواقع ولا تمسخه، وإنما تؤسّسه على فكرة، على رؤية، في «الحرِّيف» الفيلم الذي أخرج عادل إمام عن صورته النجمية المعتادة، وأدخله في نسق تمثيلي مختلف، لم يتقبَّله جمهوره العامّ السطحي، فالحرِّيف ليس محض لاعب كرة شراب، بل هو إنسان يعيش من مهارته، يرفض أن يتحوّل إلى موظف في نظام لا يشبهه، ثم يجد نفسه في عالم تتآكل فيه قدرته على الاختيار. فيلم الحرِّيف الذي عُدَّ من أفضل ما أنتجته السينما المصرية، لم يحقِّق نجاحا ولا رواجا شعبيا، غير أنه مثّل قيمة فنية ثابتة.

ولا أبالغ إن قلت إن أعمال عصبة عاطف الطيب قدمت باكورة ذهبية للسينما العربية، وفتّحت أمام أجيال رؤية أخرى للسينما وزاوية منها رأينا العالم بوجه مختلف.

ما زانا نشاهد هه الأعمال اليوم ونستمتع بعمقها لأنّ الأسئلة ذاتها ما زالت مطروحة، وقضايا الفرد والمجتمع والسلطة والتكسّر الوجداني والوجودي ما زالت قائمة، ما زالت الشخصيّات ذاتها قابلة للتأمل والنظر والتفكير، وما زالت الأسئلة الكبرى لم تُحلَّ بعد، ولذلك، فنحن في قضايانا محلّك سرْ.

لم ننتقل من الفرجة الوجدانية التأثريّة، التشاركيّة إلى الفرجة التاريخية الفنية، ما زلنا نشارك الشخصيات ألمها وأملها، ونعيش إحباطها، ووقْع حياتها المرّ والحلو.