أعمدة

القانون البريطاني الجديد ومناهضة الصهيونية

صباح الرابع من أغسطس أكدت محكمة استئناف قضايا العمل البريطانية أن مناهضة الصهيونية لا تساوي معاداة السامية. جاء ذلك بعد أن اعتبرت المحكمة أن مناهضة الصهيونية هو معتقد فلسفي، محمي بقانون المساواة البريطاني الذي صدر عام ٢٠١٠.

وهو القانون الذي يحظر التمييز بسبب مجموعة من «الصفات المحمية»، مثل الجنس، والعِرق، والإعاقة، والعمر، وكذلك الدين أو المعتقد.

وفي المادة العاشرة منه، لا يقتصر مفهوم «المعتقد» على الدين، بل يشمل أيضًا المعتقدات الفلسفية، وحتى عدم امتلاك معتقد ديني.

إلا أنه من المهم التنويه أن ذلك لا يعني أن كل قول أو فعل يصدر تحت عنوان «مناهضة الصهيونية» محمي قانونيًا، وإنما أن الاعتقاد نفسه يستحق الحماية التي يمنحها القانون للمعتقدات الفلسفية.

وأنا أفكر هنا في حدود ما يمكن اعتباره «معتقدًا» بعيد عن الممارسة، ولا يبدو لي أن ذلك يُغير الكثير، فالحدود بين الاعتقاد والممارسة واهٍ؛ إذ يُمكن أن يتحول التعبير عن المعتقد نوعًا من التحريض على العنف، مما يُخرجه فورًا من دائرة طبيعته «كمعتقد».

أفكر هنا في مدى «فضفاضية» هذا الحد: إذا كان القانون يحمي الاعتقاد، لكنه لا يحمي تلقائيًا كل ممارسة أو تعبير يصدر عنه، فأين بالضبط ينتهي «الاعتقاد» المحمي وتبدأ «الممارسة» التي يمكن أن تُسحب عنها هذه الحماية؟ وما الذي يمكن أن يُعد تعبيرًا مشروعًا عن موقف سياسي، وما الذي يمكن أن يُعاد تصنيفه قانونيًا بوصفه تجاوزًا لحدود ذلك المعتقد؟

أنا لا أحاول التقليل من شأن هذا الحكم، لكنني أريد أن أفكر في القانون باعتباره أداة بيد السلطة، والزمن القانوني نفسه يعمل بوصفه جزءًا من علاقات القوة، وفي عملية التفاوض هذه يؤكد صاحب السلطة قدرته على إدارة حدود الاعتراض عليها، وبهذا لا يكون إقرارها دليلًا كافيًا على تراجعها بالضرورة.

وأنا أدعو للتفكير بهذه الطريقة بدلًا من الاحتفال بأخبار كهذه؛ لأن الصهاينة مستمرون في إنتاج وقائع مادية على الأرض، وهي وقائع مروعة وعنيفة. كما نعرف جميعًا.

أدرك أهمية القوانين أيضًا، نورة عريقات في كتابها Justice for Some: Law and the Question of Palestin كتبت عن العمل القانوني البنيوي والمحوري في مشروع إسرائيل نفسها، وتوسعها لاحقًا، إذ مكنت المساعي القانونية الاستيطان اليهودي في فلسطين الانتدابية بعد الحرب العالمية الأولى مرورًا باستخدام المؤسسات والأطر الدولية لنيل الاعتراف بالسيادة اليهودية بعد الحرب العالمية الثانية، وصولًا لاستخدام الأحكام العرفية وقانون الاحتلال وذريعة «عملية السلام» لمصادرة أراضي الفلسطينيين وتسهيل استيطانها.

إلا أنها تنبه لمسألة مهمة، أن القانون ليس قوة مستقلة تقف فوق السياسة بل يمكن توظيفه استراتيجيًا من الطرف الأقوى، فيتم استخدامه داخل اختلالات القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية، وبالتالي فإنه من الوجيه الحذر من المبالغة في التعويل على المكاسب القانونية إذا لم تترافق مع قوة سياسية قادرة على تحويلها إلى تغيير مادي.

ثم إن دولة الاحتلال الإسرائيلي ومنذ ١٩٤٨ برعت في استخدام مجموعات الضغط الخاصة بها، مستخدمة بذلك كل أشكال التدخلات الفاسدة في السياسات الداخلية لبلدان العالم، ومع نجاحها في مسعاها هذا، من الوجيه أن نسأل، من الذي سيكون موجودًا ليعبر عن رفضه للصهاينة ومشروعهم؟ إذا تم استبعاد هؤلاء الذين يناهضونها بنيويًا من العمل المؤسسي، وذلك باستخدام الأدوات التي أشرت إليها قبل قليل، ما فائدة أن يكون هنالك معتقد محمي؟ لا أريد أن أبدو عدمية، لكننا نتحدث عن ضربات الحظ الموفقة بأن يصل أشخاص أحرار وأخلاقيون حقًا ويترقون في هذه المؤسسات، ولا أظن بأن هذا يتجاوز فكرة «الزمن القانوني» الذي يذهب في صالح مشروع الصهيونية العنيف هذا! كم مائة ألف أخرى ينبغي أن نخسر في عملية التفاوض هذه؟ هل ستتبقى أي بقعة لم يتم استيطانها بعد في فلسطين حتى ذلك الحين؟

الجدير بالذكر أن هذا الحكم جاء في قضية الأكاديمي البريطاني النبيل ديفيد ميلر، وهو الاجتماع السياسي المتخصص في دراسة شبكات النفوذ والدعاية والصهيونية كحركة سياسية، والذي كان أستاذًا في جامعة بريستول حتى فصله عام 2021 على خلفية تصريحاته وانتقاداته لإسرائيل والصهيونية.

ورغم أن تحقيقًا مستقلًا برّأه من اتهامات معاداة السامية، أنهت الجامعة عمله، فرفع دعوى ضدها، وحكمت محكمة العمل لصالحه عام 2024، معتبرة أن معتقداته المناهضة للصهيونية تُعدّ «معتقدًا فلسفيًا» محميًا بموجب قانون المساواة لعام 2010، وأن فصله انطوى على تمييز بسبب هذا المعتقد.

واستأنفت الجامعة الحكم، إلا أن محكمة الاستئناف رفضت طعونها وأبقت نتائجه الأساسية. إن شجاعة هذا الأستاذ استثنائية، قرأتُ منشوره بعد إصدار الحكم على منصة اكس، عبّر عن امتنانه لكل من آمن به في رحلة التقاضي هذه، كما اعتبر هذه النتيجة إدانة مهينة لإسرائيل التي تستمر في إبادة الفلسطينيين.

إلا أنني مع ذلك أدعو للتفكير في حقيقة هذه المكاسب، وفيما إذا كانت جزءًا من عملية إنفاذ الواقع ورسوخه، وأنهم يتفاوضون معنا بينما نموت ولا يبقى لنا شيء.