أعمدة

عن قارئ لا يشبه الممثل

في حوار مع المفكرة والكاتبة الأمريكية سوزان سونتاغ حول القراءة والكتب، أجابت عن سؤال محاورها عما إذا كان الأدب يولّد النشوة بالقول: «مؤكد، ولكن يمكن الاعتماد عليه في ذلك أقل مما يمكن الاعتماد على الموسيقى والرقص، الأدب أقرب إلى العقل.

وعلى المرء أن يكون حاسمًا مع الكتب. فلا أريد أن أقرأ إلا ما سأرغب في إعادة قراءته، وهذا هو تعريف الكتاب الجدير بالقراءة مرة واحدة».

يتقاطع جواب سونتاغ مع مقولة أخرى وقعت أمامي في سياق البحث عن المتفرج المسرحي (الجمهور)، وهي مقولة تؤكد أهمية اقتناء الكتب، من غير أن تفصّل القول في إعادة قراءتها كما فعلت سونتاغ، والمقولة هي: «أجمع الكتب حتى وإن لم أجد الوقت لقراءتها؛ فلا شيء يضاهي امتلاك مكتبة لم تُقرأ بعد».

تدعونا المقولتان إلى التأمل الاجتماعي لوجود مكتبة في داخل كل بيت. إن وجود المكتبة في البيت يكشف عن أبعاد ثقافية لدى ساكنيه، فتحصيل ثقافة القراءة وبناؤها يبدأ من البيت، ويحقق ذلك الأمر شعورًا نفسيا جميلا؛ إما أن يدفع أهل البيت إلى اعتياد القراءة والتخصص في العلوم الإنسانية المختلفة، أو يشكل حاجزًا منفرًا، وقلما قد يحدث هذا الأمر.

كما تدفعنا المقولتان إلى طرح الأسئلة. فسوزان تنطلق من مسلّمة حول قدرة الأدب على إحداث النشوة لدى متلقيه من القراء، لكن تأثيره لا يكون بالقدر الذي يُحدثه سماع الموسيقى أو ممارسة الرقص. إن تأثيرهما، كما أستنتج من كلام سونتاغ، أقل توسطًا بالعقل من تأثير الأدب؛ إذ يتدخل في القراءة الإدراك والعمليات الشعورية، وهو ما يجعل العودة إلى كتاب سبق قراءته فعلًا يتجاوز مجرد تكرار القراءة.

إن وجود مكتبة في البيت، لا يعني بالضرورة أن تكون الكتب جميعها مهمة؛ بمعنى تزخر بعض مكتبات البيوت بسلسلة من كتب المعاجم والموسوعات يلجأ إليها قارئها بحثًا عن معلومة بدافع الحاجة والضرورة، وعلى فترات زمنية قد تكون متقاربة أو متباعدة، وهناك من كان يجعل من المكتبة درسًا يوميًا ومراجعة واكتشافًا؛ وأستعيد هنا ما قرأته لمحمود درويش في أحد حواراته عن عنايته بلسان العرب، حيث أفصح عن رياضته اليومية قائلا لمحاوره: «... لديّ رياضة يومية، أفتح لسان العرب كل صباح في طريقة عشوائية، وأقرأ عن كلمة ما، وعن تاريخها، وأصلها، وعن الاشتقاقات التي خرجت منها...». وتكشف هذه الرياضة اليومية عن علاقة بالمعجم لا تقوم على الحاجة العابرة، بل على التدريب المستمر على اللغة، واكتشاف طاقاتها.

يغدو الفعل الدرويشي سلوكًا لتدريب القراءة وانتخاب المفردات الملائمة. بينما تلجأ بعض الكاتبات الصديقات إلى إعادة قراءة الكتب والمراجع، سواء في المسرح أو السرد وكذلك في النظريات النقدية، بهدف تجديد الصلة بالكتب التأسيسية للمعارف الإنسانية، وهو ما أزعم أن جيلا من الباحثين والباحثات لا يقومون به.

لكن، تظل أهمية وجود مكتبة في البيت مرتبطة بأهمية إعادة قراءة الكتاب الجيد.

هذا الفعل ينقلنا إلى القارئ الذي لا يُشبه الممثل الذي يتقمص الشخصيات الشريرة والخيرة أو ما بين المنزلتين. فالممثل الجيد كالكتاب الجيد الذي يُعاد قراءته، يتحاور مع شخصياته الجديدة، يبحث عن نقطة مفارقة في السيناريو تجعله لا يكون الشخصية التي قدمها في فيلم أو على خشبة المسرح.

الممثل الجيد أيضا، هو قارئ جيد بالضرورة، يأخذ من الحضارة التي تنتمي إليها كل شخصية، إغريقية كانت أو رومانية، أو إنجليزية، أو أمريكية، أو شرقية، تاريخها وثقافتها، ليصهرها في بناء الشخصية الإبداعية الجديدة.

فالقارئ على سبيل المثال، يحيا في غابة من السرد بتعبير إمبرتو إيكو، يتنقل بمخزون من الثقافات والمرجعيات، وعليه ألا يقف كسولا أمام أبواب السرد المغلقة، بل يحاول فتح مغاليقها والدخول إليها، بحثًا عن مفاتيح جديدة للتأويل.

إن معركةً يخوضها القارئ مع النص، لا تنتهي، قد ينفصل الطرفان المتحاوران (القارئ والنص) ليكتشف الأول في غالب الأوقات، أن النص قد هيّأ له ذلك، عن طريق الحوار، والأسئلة، ووجود الفجوات، وكسر أفق التوقع.

من جهة أخرى، تبدو مهمة الممثل الإبداعية ليست يسيرة في أثناء تعرّفه على الدور الإبداعي الذي ينسجه خيال المؤلف.

عليه القيام ببحث مضاعف؛ فالشخصية التي تُؤدّى في الأشكال ما قبل المسرحية كطقوس الاحتفالات الجماعية (السمرة والبيضا) يؤدي الممثل دوره كما يقول (عبدالفتاح قلعجي- مقالة النص ومهمة الممثل الإبداعية) بحرية تامة، فيقدم كل ما هو جديد ومبدع محاولا إبهار الجمهور برقصة الصراع مع الخصم وارتجال المقاطع الغنائية المناسبة للصراع.

في حين يقف الممثل أمام لعبة (أنا الذيب سآكلكم) في التراث التقليدي العُماني في محافظة ظفار، مزهوًا بالتنقلات الحركية والأداءات التعبيرية الممكنة أمام فريق اللعبة، حتى ينقض على آخر طفل في سلسلة اللعبة التشابكية بين الذئب والأم التي تحاول حماية أطفالها منه.

لا شك في أن كل ممثل يقف على خشبة المسرح، أو أمام السينما، عليه الإلمام بتفاصيل الشخصية كاملة. ومهما بلغ إلمامه بالدور، تظل الذاكرة الانفعالية أحد الموارد التي قد يستند إليها للتعبير عن أعماق ما يريد تقديمه أمام جمهوره، كم ممثلًا في الفرق المسرحية اليوم يفعل ذلك مع شخصياته الشريرة؟ كم من ممثل عليه الإدراك أن الشرير لم يعد هو الشرير التقليدي الذي تقدمه الصور في هيئات مبتذلة، تارة يفتح عينيه وتارة أخرى يلوي شفتيه أو يصرخ رافعا حاجبيه، لإخافة الشخصية الواقفة أمامه؟ وكم من ممثل يُدرك أن العاشق لم تعد دموعه أو أنفاسه اللاهثة أو كلمات الغزل المسجوعة وحدها كافية للتعبير عن درجات العشق! يعيدنا هؤلاء المؤدون الساذجون آلافَ السنين إلى ما قبل احتراف التمثيل.

حتى في بعض عروض المسرح المعاصر، يعجز بعض الممثلين عن معالجة الذاكرة الانفعالية، وترتيب ما تحتاج إليه الشخصيّة، وفي أدوار لم يعد للنص فيها من كلمة، يقع أشباه هؤلاء الممثلين في تكرار بسيط، بحركات يقفزون فيها على الخشبة وبتعبيرات غير مفهومة، وهم يظنون أن ذلك هو التعبير الأمثل عما أراده المخرج عن الدور، في حين لو سألهم متفرّج عما كانوا يفعلون لما استطاعوا تجميع أفكارهم في إجابة واضحة.

أين يكمن الخلل؟ هل في النص المملوء بكلمات متشابهة مرصوصة من المعجم، تارة مجزأة وأخرى مشطورة؟ أم في المخرج الذي يلجأ إلى تجريب الفضاء الفارغ فيعبئه بأجساد الممثلين والسينوغرافيا دون ضبط أو اتزان؟ أم في الممثل الذي يعتري أداؤه عِوار، فلا يجتهد للبحث عن الرؤية الكليّة للدور، وللأداء والعرض؟

وإذا نقلنا الحال السابقة إلى القارئ، نجد أنه في أثناء حرصه على إعادة قراءة كتاب قرأه في الماضي، لا تكون علاقته به علاقة ثابتة ولا استجابته واحدة، لأن فعل القراءة يتصل بمدى ما حصّله القارئ من معارف وثقافات متباينة تتيح له الكشف عن وجود مسارات متباينة لتأويل النص.

إن الكتاب الجدير بالقراءة، حتى وإن كان قديمًا، لا يستنفد نفسه في قراءة واحدة؛ فالقارئ يعود إليه محمّلًا بثقافات وأسئلة جديدة، تفتح له مسارات أخرى للتأويل. ولعل هذا ما تعنيه سونتاغ حين لا تريد أن تقرأ إلا ما سترغب في إعادة قراءته. وهنا تكمن المفارقة: قارئ يعود إلى كتاب قديم فينتج قراءة جديدة، وممثل يدخل شخصية جديدة فيعيد أداءً قديمًا.