عذاب الخيام في غزة يلاحق أكثر من مليوني نازح
الثلاثاء / 27 / صفر / 1448 هـ - 19:36 - الثلاثاء 11 أغسطس 2026 19:36
غزة- «عُمان»- بهاء طباسي:
يقف الأربعيني محمد أبو ماضي أمام خيمته المتهالكة في منطقة مواصي خان يونس، يحاول تثبيت قطعة قماش تهادت أطرافها بفعل شمس الصيف الحارقة، ملقيًا بظلال من البؤس على أطفاله الثمانية وزوجته الذين يتزاحمون في مساحة لا تتجاوز ستة أمتار مربعة، بعد أن دمر قصف إسرائيلي منزلهم في رفح، خلال اجتياح المدينة بريًا من قبل جيش الاحتلال في العام 2024.
خطة إيواء تصطدم بالواقع
على بُعد كيلومترات قليلة من خيمة أبو محمد، تصطدم الخطة الشاملة التي أعلنتها «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» لتطوير مشروعات الإسكان المؤقت بعراقيل ميدانية جمة؛ حيث تحاول اللجنة تحريك هذا الملف النازف في ظل واقع يفرض فيه الاحتلال السيطرة على نحو 60% من مساحة القطاع ويواصل شل أركان الحياة.
يقول محمد لـ«عُمان»: «نعيش في فرن قماشي؛ درجة الحرارة داخل الخيمة تشتعل، ولا نملك مياهًا صالحة للشرب ولا حدًا أدنى من الخصوصية لبناتي المراهقات. مررنا بألف يوم من حرب الإبادة و8 أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار المعلّق، دون أن يتغير شيء من واقعنا الكارثي».
ركام يبتلع القطاع
هذا الواقع الميداني يتطابق مع أحدث إحصاءات الأمم المتحدة، والتي تؤكد أن نسبة المباني المدمرة بالقطاع ارتفعت بنحو 9% منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025؛ ليصبح أكثر من 82% من مباني غزة متضررًا -ما يعادل أكثر من 200 ألف مبنى- يقع ثلثاها ضمن فئة الدمار الكامل.
يضيف رب العائلة النازحة، وهو يمسح العرق عن جبين طفله الأصغر: «نسمع في المذياع عن اجتماعات وخطط لإيواء النازحين ومشاريع للتعافي، لكننا على الأرض لا نرى سوى قذائف تصب فوق رؤوسنا، وخيامًا تذوب تحت الشمس، ومساعدات شحيحة تمنع إسرائيل دخولها للتحكم في أنفاسنا».
تشريد تحت الشمس
تأتي شهادة أبو ماضي في وقت تحذر فيه المؤسسات الأممية من وضع مزري يلاحق أكثر من مليوني نازح، مشيرة إلى أن سلطات الاحتلال ترفض السماح للمنظمات الدولية بإدخال خيام طويلة الأجل أو مواد بناء أساسية، مما يبقي الغزيين رهائن لظروف جوية وإنسانية قاتلة.
يتذكر أبو ماضي لحظة خروجهم من رفح تحت القصف، قائلًا: «خرجنا بنشاط وحيد وهو النفاذ بالأرواح، واليوم نجد أنفسنا محاصرين بين شريط ساحلي ضيق ووعود سياسية تبخرت. أطفالنا ينسون شكل البيت الطبيعي، وأصبح أقصى حلمنا الحصول على جالون ماء أو زاوية ستر».
ورش عمل يعطلها الاحتلال
تزامن هذا التدهور مع بحث «اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة» بالشراكة مع مكتب نيكولاي ملادينوف، ممثل «مجلس السلام»، ومعهد بناء السلام، سبل تنفيذ خطة عمل محددة المخرجات، استمرت ورشتها يومين لتحديد معايير التخطيط الحضري، وإدارة المواقع، وإزالة الأنقاض للتخفيف من مصاعب النزوح.
يتساءل الأب بعجز: «كيف يتحدثون عن إزالة الأنقاض وإدارة المواقع وطائرات الكواد كابتر والزنانات تحلق فوق رؤوسنا؟ نحن نعرف الاحتلال، لم يعد بشيء وفعله. إنهم يطلبون منا الصبر في العراء بينما يقرر السياسيون مصيرنا في الغرف المكيفة».
سياسة المهلة المقيدة
تطوير الإسكان يصطدم بالاشتراطات السياسية، إذ تضغط واشنطن نحو تحقيق وقف إطلاق نار فعلي لمدة 14 يومًا لوضع خطوط عريضة لنزع سلاح الفصائل وتسليمه للجنة غزة بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي، وهي خارطة طريق وافقت عليها حركة حماس نهاية يوليو الماضي بناء على صياغة «مجلس السلام».
يختتم أبو محمد حديثه مستنكرًا: «سواء اتفقوا على نزع السلاح أولًا أو الانسحاب خلف الخط الأصفر، نحن من ندفع الثمن يوميًا. الخلافات الإسرائيلية الداخلية تأكل أجسادنا، والانتهاكات لا تتوقف، والنتيجة هي بقاؤنا في خيمة لا تقي حرًا ولا تدفع بردًا».
غير أن هذا المقترح الأمريكي يواجه معارضة شديدة من وزراء في الحكومة الإسرائيلية يصرون على استمرار استخدام القوة ويربطون الانسحاب بالتدمير الكامل للسلاح أولًا، مما يعطل الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق.
سراب الخطط والأرقام
وفي تعليقه لـ«عُمان» على هذه التطورات، أكد محمد صالحة، رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في قطاع غزة، أن «كل الخطط والأرقام والإعلانات والاجتماعات والورش لا تساوي شيئًا أمام الواقع المأساوي الذي يعيشه الغزيون، حيث لم يلمس المواطن أي تغيير، واستمرت المعاناة تحت القصف وبعد وقف إطلاق النار المزعوم دون فارق يذكر».
وأوضح صالحة أن «حياة نحو مليون و600 ألف نازح، من بينهم أكثر من مليون يكتوون بحر الخيام وعذابها، أصبحت معقدة جدًا، ينضاف إليهم 600 ألف آخرون يعيشون في مراكز الإيواء والمدارس والمنازل المستضيفة بظروف لا تقل قسوة، ما يجعل كل الحديث عن موازنات وخطط حبرًا على ورق لم ير النور».
تشابه الأيام والدمار
ولفت رئيس الشبكة إلى أن الغزيين «بعد ألف يوم من الحرب لا يفرقون بين أيام التصعيد وأيام التهدئة المفترضة، فالقصف مستمر يوميًا، وأكثر من 10% من المنازل المتبقية هُدمت بعد إعلان وقف إطلاق النار»، مشددًا على أن المطلب الأساسي للمواطن ليس الانتقال الصوري بين المراحل السياسية، بل تفكيك الأزمات وتدشين بداية حقيقية لنهاية العدوان.
وشدد صالحة على أن «الاحتلال الإسرائيلي هو الأساس في تعطيل الحياة، حيث إن مواد الإيواء والخيام التي دخلت القطاع منذ مطلع العام الحاليّ لا تتجاوز 11% من إجمالي الواردات الشحيحة، دون الحديث عن الكرفانات أو مواد البناء، مما يؤكد وجود تعمد إسرائيلي واضح لإعاقة الإيواء الطارئ والمؤقت».
قتل معنوي واغتيال للكرامة
وأضاف صالحة أن «الخيمة التي لا تتجاوز مساحتها 6 أمتار وتضم 10 إلى 12 فردًا هي غرف عذاب تتجاوز الحرارة فيها 70 درجة، وتسلب العائلات أدنى مقومات الخصوصية والنظافة والمياه والكهرباء. ما يجري هو قتل معنوي وإنساني وانتهاك يومي لكرامة النازحين يفوق القتل الجسدي الذي تمارسه الطائرات والدبابات».
واختتم رأفت صالحة تصريحاته بالقول: «المطلوب ليس صياغة تفاهمات وخطط جديدة، بل فتح المعابر فورًا أمام مواد البناء والاحتياجات الأساسية. القطاع يفتقر لأبسط مقومات الحياة كالدواء والمياه والزيوت وحتى إطارات السيارات، بينما يواصل الاحتلال فرض قائمة ممنوعات طويلة تحت حجج واهية وعناوين الاستخدام المزدوج».