ثقافة

جلسة حوارية تبحث في التحولات الدلالية للجسد المتألم

 

شهد النادي الثقافي أمس جلسة حوارية بعنوان' التحولات الدلالية للجسد المتألم في السرد العماني المعاصر' وناقشت الجلسة المفهوم الحقيقي للألم في النصوص العمانية والأبعاد التي وصل إليها.
الجلسة التي أدارتها سارة المسعودي، شارك فيها الدكتور عيسى الحوقاني أستاذ النقد الأدبي بجامعة الشرقية والدكتور حسني مليطات الأستاذ المساعد في كلية التربية والآداب في جامعة صحار.
إعادة إنتاج الهوية والذاكرة
استهلت سارة المسعودي الجلسة الحوارية بوصفها أن كل جسد يحمل بصمته الخاصة في اختبار المعاناة عبر انتعاشته وسكونه وانهياره، وتحول الندبة والمرض والعجز والشيخوخة إلى علامات سردية تكشف تاريخ الذات، وتفتح مسافة جديدة بينها وبين العالم، وفي هذه المسافة تولد الكتابة التي وصفها كافكا بأنها فأس تكسر البحر المتجمد في داخلنا، ومن هذا المنظور يغدو الجسد المتألم نصاً وجودياً لا يخزن آثار إصابة فحسب بل يعيد إنتاج الهوية والذاكرة والمعنى، وفي النص لا يتكلم الجسد لأنه فصيح وواضح بل لأنه مجروح وملتبس ومن هذا الالتباس بالذات تولد بلاغته وتتبدل قدرته على قول ما لا يقال إنه أفق تأولي كامل، ولغة موازية للغة وربما سابقة عليها إنه المكان الذي يتقاطع فيه الفلسفة والشعر والسرد والفكر والتجربة والرمز.
تطهير للنفس
وتحدث الدكتور عيسى الحوقاني مشيرا إلى أن الألم في المنظور الإسلامي ينظر إليه على أنه تطهُّر، وقال: 'نحن عندما نزور المريض نقول له طهور بالإضافة إلى أن هناك الكثير من الأحاديث النبوية التي تشير إلى أن الألم فيه تطهير للنفس. فالمسلم ينظر إلى الألم على أنه يحط السيئات ويرفع من الدرجات ولهذا إلى درجة أن بعض الأحاديث النبوية تشير إلى أن الشوكة التي يشاك بها الإنسان له أجر فيها فهذا من المنظور الإسلامي'. وأضاف: 'في الحقيقة انعكس ذلك في الكثير من الروايات والقصص التي تنظر إلى الألم من هذا المنظور ولا يعني أن كل الروايات تنظر إلى هذا المنظور لكن هذا المنظور الديني موجود بالمعنى الفلسفي على أن الجسد المتألم فيه إعادة وعي وإيقاظ للعقل فكلما تألم الجسد استيقظ العقل فهكذا ينظرون إليه وفعلا نحن في الحياة نعود إلى عقولنا كثيرا عندما تتألم أجسادنا'.
روايات مباشرة
وأوضح الدكتور حسني مليطات أن الجسد المتألم لا يُنظر إليه باعتباره الجسد المصاب بالألم فقط، وإنما يقصد به الجسد التعبيري الذي ينتج علامات الألم التي يفسر من خلالها هوية ذلك الجسد وأثره، والمصائر المحيطة به التي قد تجعل الجسد المتألم متعايشاً مع ذلك الألم، فالألم كما يقول الباحث الإسباني خافيير موسكوسو في كتابه 'التاريخ الثقافي للألم' يخبرنا عن الحقائق غير المريحة من دون قلق على ندمنا أو شكواننا أي أن الألم كاشف لما يدور في ذات المتألم فهو بمثابة البوح بتلك المصائر. واستحضار الجسد المتألم في الأدب والفن كثير وما تصويره إلا تمثيل للمأساة الإنسانية والتعبير عن التعاطف والتعاضد، ورسم خارطة البؤس التي يمر بها المتألم. وقال مليطات: 'عادة ما يمثل الألم من منظور غير المتألم فهناك الكثير من الروائيين والفنانين والمسرحيين الذين يمثلون الألم وهم لم يعيشوه، وعادة ما تكون رواياتهم مباشرة لا تقوم على اللغة الوصفية العميقة على عكس الأعمال التي كتبها كاتب متألم، فألمه أو لغته الوصفية تكون كلها نابعة من الألم الذي عاشه الإنسان المتألم نفسه، فعلى سبيل المثال من 'مضاق الصبر' للكاتب محمد عيد العريمي أنت تشعر في هذه السيرة الذاتية حقيقة الجسد المشلول الذي فقد هويته الجسدية بعد حادث سير، وكذلك الأمر الذي قد نجده عند خميس سالم في رواية 'الأعمى الذي أبصر الخير' الذي حول فقدانه للبصر إلى سيرة غيرية شاركنا في نقلها وبالتالي استطاع المتلقي أن يشعر بألمه'.
الألم في الفلسفة
وأضاف الدكتور عيسى الحوقاني أنه لا شك أن الإنسان يعبر عما يصاب به والألم لا شك في أنه مدعاه أن يتأمل الإنسان الوجود من حوله فيكتب، ولهذا اهتم به الفلاسفة فكتبوا عنه، ولا يعني دائماً على أن الذي لا يكتب لا يتألم وأن الذي يتألم هو الأقدر على الكتابة على الإطلاق فهم يعبرون عن الألم بمقدرة لغوية أدبية ومهارات امتلكوها، فالكاتب عندما يكتب يكون بسبب الرغبة الجانحة عنده في أن ينقل التجربة التي مر بها للآخرين، ويريد تخليدها لأنها قد تكون عابرة تمر سريعا إذا لم يكتبها، وقد تنفلت منه، ولهذا هو يكتبها ويوثق ما مر به من الألم، بالإضافة إلى نقل التجربة التي مر بها، وأنه يكتب للتخفيف من الألم فهو يكتب حتى يفرغ ما في داخله من آلام من خلال الكتابة. فتصبح الكتابة المتنفس الذي من خلاله يعالج بها آلامه.
بوح للذات
ويضيف مليطات أن الكاتب يلجأ لكتابة الألم للتعبير عن الذات وللكشف عن الواقع أي أن الألم يتحول إلى قناع، يلجأ إليه الكاتب كي يصور المجتمع أو يصور ذاته. ومن الأمثلة على ذلك العمل الأدبي 'اليوسف إلى أمي' للكاتبة العمانية عزاء الشيبانية، وهي رسائل قصيرة كتبتها برسائل متخيلة عندما فقدت ابنها في حادث سير، فالقارئ عندما يقرأها يتألم فهي ربما لم تستطع أن تبكي أمام الناس ولم تستطع أن تعبر عما فقدته فلجأت إلى الكتابة، وإلى البوح من خلال التعبير عن الألم من خلال تلك الرسائل التي كانت وسيلة للتعبير الألم.
وقال مليطات: عندما أكتب عن تجربة الألم فأنا أطفئ إدراكي من الحالة التي أعيشها، وأعبر عن الفلسفة الجسدية التي يعيشها الإنسان فإذا كتب عن الألم، صوره الجسد وما يعتليه من تطور في معانيه ودلالاته، فالجسد المتألم المصور بالكتابة يتحول إلى علامة تعكس تجربة الكاتب نفسه أو التجربة المحيطة به، أو كما تحول الكتابة الألم إلى ذاكرة. فعلى سبيل المثال صدمة الشلل عند محمد عيد العريمي، وصدمة العمى عند خميس سالم السلطي، وصدمة الفقد عند عزاء الشيباني. وكما أن كتابة الألم عبارة عن لحظة من لحظات التذكر، واسترجاع الماضي أي استعارة الحنين والشوق إلى ذكريات ما قبل الألم، فالألم حاجز وهمي يربط بين زمنين فاصلين، لا عودة إلى الأول إلا بالذكريات والتذكر والانغماس في الثاني ما بعد الألم وتكوين معالم الهوية الجسدية الجديدة.
وشهدت الجلسة مشاركات ومداخلات عدة ناقشت السياق العماني ضمن تحولاته الاجتماعية والتاريخية الخاصة والجسد المتألم قد شكل في هذه النماذج العالمية لغة موازية للوعي ومرآة للانكسار الإنساني، تأكيدا على أن الألم تجربة شخصية إنسانية تختلف من شخص إلى آخر.