عُمان الاقتصادي

هل لا تزال الشهادة استثمارًا آمنًا؟

بينما تستغرق الجامعات ثلاث إلى خمس سنوات لتطوير برنامج أكاديمي جديد، تتغير مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني كل 12 إلى 18 شهرًا، ما يخلق فجوة متزايدة بين سرعة المعرفة وسرعة التعليم

مع اقتراب نهاية شهر يوليو وبداية شهر أغسطس من كل عام، ينصرف الأكاديميون والمعلمون والطلبة إلى إجازاتهم لاستعادة نشاطهم قبل بدء العام الأكاديمي الجديد، في هذه الأثناء يمر أكثر من 65 ألف طالب وطالبة بمرحلة مفصلية فهم على أعتاب اتخاذ قرار مصيري باختيار تخصصاتهم والجامعات التي سيلتحقون بها، وتُعد هذه المرحلة حجر الأساس في بناء ولكن يبرز هنا تساؤل جوهري: هل لا يزال التعليم الجامعي يحتفظ بنفس القيمة التي كان يحملها سابقاً؟ وهل يظل الالتحاق بالجامعة السبيل الأمثل لضمان مستقبل أفضل؟ 

تعد الجامعات من أقدم المؤسسات الفكرية المستمرة في التاريخ؛ إذ تعود جذور فكرتها إلى تطور نظم التعليم العالي في أوروبا خلال العصور الوسطى مع تأثرها بالمؤسسات التعليمية الإسلامية الرائدة مثل جامعة القرويين في المغرب والأزهر في مصر، اللتين أسهمتا في ترسيخ تقاليد التعليم المنظم والبحث العلمي، وقد نشأت الجامعة في الأساس استجابةً للحاجة إلى تنظيم دراسة العلوم الأساسية، كالقانون والطب والفلسفة، ثم تطورت لتصبح مركزًا لحفظ التراث العلمي، وترجمة المعارف وتبادلها بين الحضارات، وإنتاج المعرفة الجديدة، ونشر الفكر النقدي، وإعداد الكفاءات القادرة على قيادة التنمية والتقدم العلمي والثقافي، ومن ثم لم تعد الجامعة مجرد مؤسسة تمنح الشهادات، بل أصبحت ركيزة أساسية في بناء المجتمعات القائمة على المعرفة والابتكار وخدمة المجتمع. 

إلا أن السؤال الذي افتُتح به هذا المقال لا يُجاب عنه بنعم أو لا، إنما يستدعي النظر في ثلاثة جوانب مترابطة: نوع المعرفة التي أصبحت الجامعة تقدمها، والقيمة الاقتصادية التي يُفترض أن تمنحها الشهادة الجامعية، والدور الاجتماعي والأخلاقي الذي تؤديه الجامعة منذ نشأتها. في هذا المقال، سنناقش هذه الجوانب الثلاثة في ضوء أحدث الدراسات والبيانات الوطنية، ثم نتأمل ما تعنيه لطالبٍ عُماني يقف اليوم أمام استمارة رغباته، محاولًا الموازنة بين ما تعده به الجامعة وما ينتظره في سوق عمل تتغير متطلباته بوتيرة أسرع من تحديث الخطط الدراسية. 

الإنتاج المعرفي للجامعات 

من المفارقات أن أول ما يُساءَل في قيمة الجامعة ليس مخرجاتها من الخريجين، بل مخرجاتها من المعرفة ذاتها، ففي دراسة موسعة نُشرت عام 2023 في دورية «نيتشر»، حُلّلت نحو 45 مليون ورقة علمية و3.9 ملايين براءة اختراع على امتداد ستة عقود، بالاستناد إلى ما يُعرف بـ «مؤشر التفكيك والدمج» (CD Index)، وهو مقياس يرصد قدرة العمل العلمي على إزاحة ما سبقه وإعادة تشكيل شبكات الاستشهاد، لا الاكتفاء بالبناء التراكمي عليه . وقد خلصت النتائج إلى انخفاض مستمر في هذه القدرة، حيث تراجعت درجات المؤشر بين عامي 1945 و2010 بنسبة بلغت 100% في العلوم الفيزيائية و91.9% في العلوم الاجتماعية، فيما تراجعت في براءات الاختراع بين عامي 1980 و2010 بنسبة 93.5% في مجال الحوسبة والاتصالات و96.4% في مجال الأدوية والطب. 

ولا يعني هذا التراجع أن العلم قد توقف عن التقدم فالإنتاج البحثي العالمي يواصل نموه عامًا بعد عام. 

لكن المقصود هو أن الاكتشافات التي تُحدث نقلة نوعية في المعرفة أصبحت أقل شيوعًا مما كانت عليه في السابق، ويتقاطع هذا مع تحدٍّ آخر أقرب إلى تجربة الطالب اليومية، وهو الفجوة الزمنية بين إيقاع المناهج وإيقاع المعرفة، فدورة تصميم برنامج بكالوريوس جديد أو مراجعته وفق معايير الجودة والاعتماد تستغرق عادةً ما بين ثلاث وخمس سنوات، في حين تشهد مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتقنيات الحيوية تحولات جوهرية في أدواتها كل اثني عشر إلى ثمانية عشر شهرًا؛ فيتخرج الطالب أحيانًا وقد تقادم جزء من محتواه التطبيقي قبل أن يبدأ استعماله. وقد ترافق هذا التباطؤ مع ما يسمّيه بعض الباحثين «تضخم الشهادات» (Degree Inflation)، وهو أن التوسع الكمي في القبول، مقرونًا بضغوط الحفاظ على نسب الاستبقاء والتخرج، قد يدفع نحو تليين معايير التقييم، فتغدو الشهادة في بعض المنظومات سجلًّا لانتظام الطالب الزمني أكثر منها وثيقةً تثبت تمكّنه المنهجي. 

العائد من التعليم 

على الصعيد الاقتصادي، تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ودراسات أسواق العمل إلى أن الزيادة في أجور الحاصلين على الشهادات الجامعية، مقارنة بغيرهم، لم تعد تنمو بالمعدل الذي كانت عليه في العقود الماضية، بل شهدت في بعض الدول حالة من الاستقرار أو حتى التراجع منذ مطلع الألفية الثالثة، بعد عقود من الارتفاع المتواصل خلال الثمانينيات والتسعينيات . ويُعزى ذلك إلى عاملين رئيسيين: ازدياد أعداد خريجي الجامعات، وفي المقابل تراجع الطلب على المهارات الروتينية التي أصبحت أنظمة الأتمتة والذكاء الاصطناعي قادرة على أدائها بكفاءة. ونتيجة لذلك، برزت ظاهرة يُطلق عليها الاقتصاديون «انحدار المهارات» (Skill Downgrading)، حيث يعمل بعض خريجي الجامعات في وظائف كان يشغلها في السابق أشخاص بمؤهلات تعليمية أقل. 

غير أن الصورة الأدق ليست في المتوسط العام، بل في التباين داخله. فمقارنات الأجور مدى الحياة تُظهر تفاوتًا واسعًا بحسب حقل الدراسة: تتراوح علاوة الأجور لخريجي الهندسة وعلوم الحاسوب بين 80% و160% مقارنةً بحاملي الشهادة الثانوية، وبين 80% و150% لخريجي الاقتصاد والمحاسبة والمالية، بينما تنزل إلى ما بين 40% و70% في العلوم الطبيعية والحيوية التي يتوقف عائدها غالبًا على استكمال دراسات عليا، وإلى ما بين 20% و50% في التربية والعلوم الاجتماعية، وما بين 20% و40% في الفنون والآداب والعلوم الإنسانية . تكشف هذه الأرقام أن الشهادة الجامعية لم تعد استثمارًا متجانس العائد؛ فحسابها الاقتصادي صار مشروطًا بالقيمة التنافسية للتخصص ودرجة ارتباطه بقطاعات النمو، لا بمجرد الحصول عليها. 

قراءة محلية 

وتختلف طبيعة المسألة في السياق العربي عنها في المنظومات الغربية اختلافًا يستوجب الانتباه. فبينما تتمركز الأزمة هناك حول تضخم الكلفة وتراكم الديون الطلابية، تتمركز هنا حول الفجوة الهيكلية بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد، وما ينتج عنها من بطالة بين الخريجين. وفي الحالة العُمانية والخليجية، أسهم النمط التاريخي للتوظيف الحكومي في ترسيخ نظرةٍ للشهادة بوصفها وثيقة استحقاق إداري؛ إذ ارتبطت الدرجات المالية بالمؤهل الأكاديمي أكثر من ارتباطها بالكفاءة المهارية. وتُشير بيانات نوقشت في مجلس الشورى إلى ما يعزز هذا التوجه؛ فقد كشفت أن 53% من الخريجين العاملين في القطاع الخاص يتقاضون 600 ريال عُماني أو أقل شهريًّا، مقابل 16.1% فقط بين نظرائهم في القطاع الحكومي . ومع مثل هذا التفاضل في الأجر والأمان الوظيفي، يصعب لوم الطالب حين يختار تخصصه بعين موجّهة نحو الوظيفة العامة، غير أن ذلك يشكّل تحديًّا أمام مستهدفات جعل القطاع الخاص محركًا أساسيًّا للاقتصاد. 

في المقابل، لا تبدو الاستجابة الوطنية غائبة، وإن كانت نتائجها تحتاج وقتًا لتُقاس. فوزارة التعليم تنفّذ دورات منتظمة من «مسح الخريجين»، كان آخرها مسح استهدف نحو 72 ألف خريج داخل سلطنة عمان وخارجها لرصد المرحلة الانتقالية بين الدراسة والعمل، كما دشّنت «مسح أرباب العمل 2025» لتحديد الكفايات الفعلية التي تطلبها القطاعات الاقتصادية؛ وهو تحوّل نحو تخطيط تعليمي مستند إلى الأدلة لا إلى التقدير. وعلى مستوى المؤسسات، بلغت جامعة السلطان قابوس المرتبة 334 عالميًّا والثامنة عربيًّا في تصنيف (QS) لعام 2025، ضمن خطة استراتيجية تربط أبحاثها بأولويات التنمية الوطنية. ويقدّم البرنامج الوطني للتدريب المقرون بالتعليم «إعداد»، المنفَّذ بالتعاون مع شركة تنمية نفط عُمان وبمشاركة أكثر من 29 شركة و17 مؤسسة تعليم عالٍ، نموذجًا عمليًّا لسدّ الفجوة المهارية عبر قضاء الطالب عامًا كاملًا في بيئة العمل قبل تخرجه، إلى جانب التوسع في المسارات المهنية التي خرّجت مؤخرًا 711 خريجًا وخريجة في أحد عشر تخصصًا . 

ولعلّ أعمق أبعاد هذا النقاش ليس اقتصاديًّا، بل فلسفيًّا؛ فقد قامت فكرة الجامعة، في صورتها الكلاسيكية، على بناء العقل النقدي، وتنمية الوعي المدني، وإعداد الإنسان للمشاركة الواعية في المجتمع، قبل أن تتزايد النظرة النفعية إلى التعليم العالي، التي تنظر إلى الجامعة بوصفها وسيلة لإعداد القوى العاملة وتلبية احتياجات سوق العمل . ومع هذا التحول، تراجع الاهتمام النسبي بالعلوم الإنسانية والاجتماعية في كثير من النظم التعليمية، مقابل اتساع التركيز على التخصصات التطبيقية والمهنية، وأصبح نجاح الجامعة يُقاس، في كثير من الأحيان، بقدرة خريجيها على الحصول على وظائف، أكثر من قياسه بإسهامها في بناء المعرفة أو تنمية المواطن. 

وفي مواجهة هذا الاختزال، يدعو تقرير اليونسكو «إعادة تصور مستقبلنا معًا: عقد اجتماعي جديد للتعليم» إلى نقل التعليم العالي من موقع «السلعة الموقعية» (Positional Good) التي تضمن امتيازًا نسبيًّا لحاملها، إلى موقع «الخير العام المشترك» (Common Good) الذي يتيح تعلمًا ممتدًّا مدى الحياة . وهو تحوّل يقتضي من الجامعة أن تتخلى عن دورها كحارس حصري للمعرفة، وأن تدمج بين التدريب الأدواتي والتربية النقدية ومسارات التعلم المفتوحة. 

فماذا نقول إذن لطالبٍ من بين خمسةٍ وستين ألفًا يملأ استمارة رغباته هذا الأسبوع؟ لعل الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن قيمة الشهادة الجامعية لم تتراجع، لكنها لم تعد قيمةً مضمونة في حد ذاتها. فأثرها اليوم يعتمد على التخصص، وجودة ما يتعلمه الطالب، وقدرته على مواصلة التعلم وتطوير مهاراته بعد التخرج. ولا تزال الجامعة الخيار الطبيعي، بل الضروري، في المهن التي تتطلب تأهيلًا علميًا ومنهجيًا وترخيصًا مهنيًا، كالطب والهندسة والقانون والعلوم الأساسية. أما في كثير من المجالات الأخرى، فلم تعد الشهادة نهاية الطريق، بل أصبحت بداية لمسار طويل من التعلم والتطوير المستمر. 

غير أن السؤال الأهم لا ينبغي أن نوجهه إلى الطالب وحده، بل إلى أنفسنا أيضًا: هل تتطور برامجنا الأكاديمية بالسرعة التي تتغير بها المعرفة وسوق العمل؟ وهل نقيس نجاح جامعاتنا بعدد الخريجين، أم بما يحققونه من أثر في الاقتصاد والمجتمع؟ وهل ما زلنا نعدّ الجامعة مكانًا لبناء العقول القادرة على التفكير والنقد والإبداع، أم أصبحنا ننظر إليها بوصفها محطة للحصول على شهادة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد القيمة الحقيقية للشهادة الجامعية في السنوات القادمة، أكثر مما تحددها استمارة الرغبات نفسها. 

د. ضحي بن خليفة الشكيلي مساعد عميد كلية علوم الحاسوب والمعلومات، جامعة التقنية والعلوم التطبيقية