عُمان الاقتصادي

اقتصاد ما بعد الحداثة

عدم اليقين ليس عائقًا أمام التقدم، بل هو ما يجعل المعرفة والخيال ممكنين

 

أنغوس أرمسترونغ

إذا كانت المقولة الشائعة «الفن يحاكي الحياة» صحيحة، فإن الأعمال الإبداعية قادرة على عكس حقائق كامنة في تجربتنا الإنسانية، وهذا ما أدركه الفنان الإنجليزي ديفيد هوكني الذي رحل الشهر الماضي، فحتى أكثر الاقتصاديين تشاؤمًا قد يجد، وهو يتأمل أعماله البارعة والمفعمة بالبهجة، ما يساعده على فهم كيفية تفسير الواقع.

كان هوكني يرى أن الفن لا ينبع من العقل فحسب بل من الذاكرة على وجه التحديد، وكما هي الذاكرة فإن الفن بطبيعته فعل تفسيري، وليس نسخة مطابقة للواقع، ولذلك فإن المدارس والحركات الفنية المختلفة تعكس طرائق مختلفة لفهم الواقع وتفسيره.

فعلى سبيل المثال يرى الحداثيون أن العالم قابل للفهم إلى حد كبير، وأنه مجال يتمتع ببنية مستقرة نسبيًا، وأن الاكتشاف العلمي يقود دائمًا إلى التقدم، وهي رؤية مثالية إلى حد بعيد تعتمد على عدد محدود من المبادئ للكشف عن نظام كامن، كما يتجلى في الخطوط التجريدية والكتل اللونية الزاهية التي اشتهر بها بيت موندريان.

ويشبه الاقتصاد الكلي الحديث هذا النهج إلى حد كبير، فمن خلال عدد قليل من المسلمات البسيطة المتعلقة بكيفية اتخاذ البشر لقراراتهم، وافتراض يفسر كيفية تكوينهم لتوقعات متسقة، طور الاقتصاديون نظرية شاملة تفسر كيفية عمل النظام الاقتصادي، ووفقًا لهذا المنطق فإنه بمجرد اختيار المعايير المناسبة يصبح بالإمكان دراسة الاقتصاد بثقة، انطلاقًا من الاعتقاد بأن النموذج المستخدم يمثل الواقع تمثيلًا صحيحًا.

وتعود جذور هذا النهج إلى عام 1954، حين نجح علم الاقتصاد في تقديم برهان رياضي رسمي على وجود حالة توازن مثالية في ظل ظروف اقتصادية مثالية، وقد منح هذا الإنجاز المهنة مكانة «ملكة العلوم الاجتماعية» بفضل دقتها الكمية وقدرتها على توظيف أدواتها في تخصصات أخرى.

أما بالنسبة لصناع السياسات، فقد كانت الرسالة في غاية البساطة، اصنعوا العالم على صورة الظروف المثالية التي يتصورها الاقتصاديون، وستصبحون في غنى عن الأحكام المعيارية أو السياسية المعقدة المتعلقة بكيفية توزيع الموارد، صحيح أن الواقع أكثر تعقيدًا إلى حد ما، لكن يمكن احتواء هذه التعقيدات من خلال أهداف التضخم والقواعد المالية التي تمنع التوقعات من الانحراف.

وقد شهدنا خلال العقد الماضي ستة رؤساء وزراء في بريطانيا يطرحون استراتيجياتهم الاقتصادية بالاستناد إلى هذا الإطار نفسه تقريبًا، ولم تكن النتائج مشجعة، ومع ذلك يبدو أننا ما زلنا أسرى لطريقة التفكير ذاتها.

لكن هوكني كانت لديه نظرة مختلفة إلى الواقع، فقد رفض فكرة وجود حقيقة واحدة، وأظهر أن العالم يتكشف أمامنا بطرائق لا يمكننا الإحاطة بها بالكامل، وأن لكل منا منظوره الخاص للواقع، الذي يظل بطبيعته غير محدد بصورة نهائية.tttt

فالاقتصاد الحقيقي ليس نظامًا معزولًا يمكن الإحاطة به بوصفه شبكة من العلاقات السببية، لا تتعرض إلا من حين إلى آخر لصدمة خارجية، وقد ذكرنا الاقتصادي أرمن ألكيان منذ وقت طويل بأن المسلمات التي ننطلق منها لا تصف السلوك البشري وآليات اتخاذ القرار كما هي، وإنما تمثل مجرد تبسيط لها.

ومع ذلك، لا ينبغي لعدم اليقين أن يصيبنا بالشلل، بل على العكس، فقد أشار فرانك نايت قبل قرن من الزمن إلى أن الحياة الذكية ربما ما كانت لتوجد أصلًا لولا وجود عدم اليقين، كما رأى جورج شاكل أن العيش في ظل عدم اليقين هو الثمن الذي ندفعه مقابل امتلاكنا للخيال، فنحن لا نختار بعقلانية بين المنتجات الموجودة فحسب، بل نصنع المعرفة لأنفسنا من خلال سعينا إلى توظيف حالة عدم اليقين الملازمة للتجربة الإنسانية.

وجميعنا مضطرون إلى التخطيط للمستقبل، لكن إذا كان المستقبل غير قابل للمعرفة، فإن السؤال الحقيقي يتمثل في كيفية تعاملنا مع التنبؤ، وقد أوصى الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بن برنانكي بأن ينظر بنك إنجلترا في «أطر نمذجة بديلة»، بما في ذلك النماذج غير التقليدية، وهو ما ينسجم مع رؤية هوكني، فإذا أريد للتنبؤ الاقتصادي أن يكون ممارسة مفيدة، فلا بد أن يستوعب وجهات نظر مختلفة.

ولو خفف الاقتصاديون اعتمادهم على نماذج التوازن، لأصبح بإمكانهم استكشاف نتائج محتملة أخرى، وقد يلفت ذلك انتباههم إلى قيم معينة للمعايير تتغير عندها الديناميكيات، فتؤدي إلى موجات متتابعة من النشاط الاقتصادي، أو إلى نقاط تحول، وهي أمور ينبغي لصناع القرار أن يكونوا أكثر وعيًا بها، وقد يكشف ذلك أيضًا عن مجالات يواجه فيها الاقتصاد مشكلات خطيرة، وهي مساهمة تستحق بالفعل أن تثري النقاش.

بما أن النموذج الواحد لا يروي سوى قصة واحدة، فإن من يتمسك به قد يجد نفسه بسهولة أسيرًا لمنطق «لا بديل» (TINA)، وهو النهج الذي وقع فيه رؤساء الوزراء البريطانيون، ولذلك فإن الاستجابة المنطقية الوحيدة تتمثل في استخدام نماذج بديلة، وحتى عندما تتعارض هذه النماذج مع بعضها البعض، يبقى بإمكاننا اتخاذ القرارات استنادًا إلى ما وصفه جون ماينارد كينز بـ«ترجيح الأدلة»، بدلًا من التمسك بوهم امتلاك المعرفة الكاملة.

وحتى في العالم الأكثر تعقيدًا للسياسة المالية، ما زلنا نواصل تقدير الأثر طويل الأجل للاستثمار العام باستخدام دالة إنتاج تقليدية للغاية، ورغم أن ألفريد مارشال اعتبر التنظيم عاملًا رابعًا من عوامل الإنتاج، فإن هذه الدوال تتجاهل أي تغير يطرأ على أساليب التنظيم، ولذلك لا تترك مجالًا للنظر في بدائل أخرى، وكان روبرت سولو محقًا عندما حذر من أن دوال الإنتاج ليست سوى نماذج تفسيرية مبسطة.

إن قبول عدم اليقين الجذري يعني أيضًا قبول أن المعرفة تظل دائمًا عرضة للخطأ وغير مكتملة، حتى لو توفرت لنا جميع المعلومات الممكن جمعها، وسيزداد هذا التمييز أهمية مع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، فمجالس إدارات الشركات ستظل بحاجة إلى أن تشعر بالاطمئنان، لا أن يقال لها فقط، بأن جميع الاحتمالات المعقولة قد أُخذت في الحسبان، وهذا يتطلب مشاركة بشرية وفهمًا واضحًا لمصدر المخرجات وكيفية إنتاجها.

وسنسير في نهاية المطاف على خطى هوكني نحو عالم يقوم على اقتصاد كلي ما بعد الحداثة، يكون فيه عدم اليقين جزءًا أصيلًا من بنية الاقتصاد، وليس مجرد صدمة خارجية تصيب حالة توازن مستقرة، وسيكون هذا الاقتصاد أكثر انفتاحًا على تعدد وجهات النظر والتجريب، كما ستدعم مؤسسات مختلفة إنتاج معارف جديدة، أما التحدي الحقيقي فسيكمن في بناء الهياكل المناسبة، وإفساح المجال أمام عالم تتراجع فيه النفعية المجردة لصالح العدالة والكرامة والإنصاف، وهي القيم التي ظل هوكني مؤمنًا بها بعمق.tttt

أنغوس أرمسترونغ أستاذ باحث في معهد الازدهار العالمي بجامعة كلية لندن، ومدير برنامج «إعادة بناء الاقتصاد الكلي»، وكبير المستشارين الاقتصاديين في مجموعة «لويدز» المصرفية.

خدمة بروجيكت سندكيت.tttt