عُمان الاقتصادي

لماذا تنفق الشركات على المعرفة أكثر من المصانع؟

من 2008 إلى 2025... الأصول غير الملموسة تتفوق على الاستثمار المادي بثلاثة أضعاف

 

«عمان» - قبل الخوض في اتجاهات الأصول غير الملموسة وتأثيرها السحري على النمو الاقتصادي لابد أن ندرك بأن الأصول غير الملموسة ببساطة هي عكس الأصول المادية مثل المصانع أو الآلات أو المعدات أي أنها لا تتخذ شكلاً مادياً، فهي تشمل المعرفة التنظيمية والبحث والتطوير والبرمجيات وقواعد البيانات والعلامات التجارية والتصاميم وغيرها من حقوق الملكية الفكرية. فالسيارة الكهربائية - مثالا - يكمن جزء كبير من قيمتها اليوم في تكنولوجيا البطارية والبرمجيات والعلامة التجارية وليس في الفولاذ وهيكل السيارة. 

ويمكننا القول اليوم إن الأصول غير الملموسة هي ما يميز الشركات الناجحة، فهي تدعم الابتكار وجودة المنتجات وسمعة العلامة التجارية وولاء المستهلكين، أما بالنسبة للاقتصاد ككل فهي ترفع الإنتاجية، وتدعم الوظائف ذات الأجور الأعلى، وتعزز القدرة التنافسية على المدى الطويل. 

وعلى الرغم من أهميتها، لا تزال الأصول غير الملموسة غير مفهومة وغير مقاسة بشكل كاف ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الكثير منها لا يُسجل في الإحصاءات الرسمية، ويؤدي هذا القصور في القياس إلى إخفاء مصادر أداء الشركات كما يقدم للحكومات صورة غير مكتملة عن العوامل التي تحفز النمو لذلك فإن البيانات المحدثة عن الاستثمار في الأصول غير الملموسة ضرورية لاتخاذ قرارات تجارية سليمة ووضع سياسات فعالة. 

وأظهر تقرير أبرز الاستثمارات غير الملموسة في العالم لعام 2026 الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) أن الاستثمار في الأصول غير الملموسة نما بوتيرة أسرع بثلاث مرات من الاستثمار في الأصول الملموسة منذ عام 2008، متجاوزًا 10 تريليونات دولار أمريكي في عام 2025، وتتصدر الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وألمانيا القائمة من حيث الحجم المطلق بينما تتصدر السويد والولايات المتحدة وفرنسا القائمة من حيث الكثافة، في حين سجلت الهند واليابان والفلبين أسرع معدل نمو. 

قدرة أكبر على التكيف 

ووفقًا للتقرير، فقد ثبت أن الأداء المتفوق للاستثمار غير الملموس على المدى الطويل مستمر رغم الصعوبات الاقتصادية: مثل تشديد شروط التمويل، والارتفاع في أسعار الفائدة، وغياب اليقين بشأن السياسات التجارية، وضعف الاستثمار المادي على نطاق الاقتصاد ككل بشكل عام. 

فالاستثمار الملموس في المصانع والآلات والمعدات ينطوي عادةً على نفقات ضخمة، غالبًا ما تُمول عن طريق الديون، وجداول زمنية طويلة الأمد، مما يجعله عرضة لتأثير ظروف التمويل. وقد أثر ارتفاع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ عدة عقود في عامي 2022 و2023 — والذي لم يتراجع إلا جزئياً منذ ذلك الحين — تأثيراً بالغاً على هذا الإنفاق، حتى في الوقت الذي واصلت فيه الشركات الاستثمار في البرمجيات والبيانات والبحث والتطوير ورأس المال التنظيمي والتدريب. 

أسرع الأنواع نموًّا 

وأشار التقرير إلى أن البرمجيات وقواعد البيانات كانت الأسرع نموًا بين الأصول غير الملموسة في 13 اقتصادًا من أصل 29 شملتها الدراسة، متوقعًا أن يؤدي التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الاستثمارات العالمية في البرمجيات والبيانات خلال السنوات المقبلة. 

كما أوضح تقرير المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) وكلية لويس للأعمال أن الذكاء الاصطناعي ينمو عبر مرحلتين متكاملتين، تتمثل الأولى في الاستثمار في البنية التحتية المادية، مثل الرقائق الإلكترونية، ومراكز البيانات، ومحطات الطاقة اللازمة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهي استثمارات تتركز في عدد محدود من الشركات والدول. 

أما المرحلة الثانية، فهي استثمار أقل وضوحًا لكنه أكثر أهمية على المدى الطويل، ويتمثل في تطوير الأصول غير الملموسة، مثل تنظيم البيانات، وبناء المهارات، وإعادة تصميم أساليب العمل للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، ويخلص التقرير إلى أن الأثر الاقتصادي الحقيقي للذكاء الاصطناعي لا يعتمد على الأجهزة وحدها، بل على قدرة المؤسسات على توظيف البيانات والمعرفة والمهارات وتحويلها إلى قيمة اقتصادية. 

وباختصار، يحفز الذكاء الاصطناعي الاستثمار في جميع أنواع الأصول غير الملموسة، وإن كان ذلك بطرق مختلفة، وتظهر التأثيرات الأكبر هنا على رأس المال التنظيمي حيث تعيد الشركات هيكلة العمليات والإدارة مع أخذ الذكاء الاصطناعي في الاعتبار، وعلى البحث والتطوير، حيث يُقصر الذكاء الاصطناعي دورة الاكتشاف، كما أنه يدفع استثمارات ضخمة في البرمجيات والبيانات ويمكّن العلامات التجارية من ترسيخ مكانتها كمصدر للثقة، مما يرفع من قيمتها. كما أنه يعيد تشكيل التصميم وتوجيهه نحو الخيارات التي يولدها الذكاء الاصطناعي، مما يرفع قيمة المحتوى الإبداعي والحقوق باعتبارها مواد تدريبية، ويحفز على ظهور منتجات مالية جديدة قائمة على الذكاء الاصطناعي، ويفرض استثمارات مستمرة في المهارات حيث يمثل النقص في المواهب المتخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي العائق الرئيسي أمام اعتماده. 

قوة العلامات التجارية 

يتم الاعتراف بالعلامات التجارية بشكل متزايد في الدراسات باعتبارها أصولًا غير ملموسة منتجة، كونها تعكس قدرات الشركة التسويقية وثقة المستهلكين وقوة التوزيع مما يدعم التميز والابتكار والتوسع والقدرة على تحقيق أسعار أعلى، وتعتمد هذه القيمة على تكامل العلامة التجارية مع الاستثمارات في الجودة، والبحث والتطوير، والتصميم، ورأس المال التنظيمي، والبيانات. 

كما تؤثر العلامات التجارية في تحقيق القيمة الاقتصادية، إذ تساعد الشركات على تحقيق هوامش ربح أعلى، والارتقاء في سلاسل القيمة، والانتقال من الإنتاج التعاقدي إلى بناء علامات تجارية خاصة بها. وفي الأسواق التي يصعب فيها تقييم جودة المنتجات، تصبح سمعة الشركة أو الدولة عاملًا مؤثرًا في الوصول إلى الأسواق وتحديد الأسعار، بينما يواجه المنتجون الذين يفتقرون إلى هذه السمعة خطر البقاء ضمن فئات المنتجات منخفضة الجودة والسعر. 

وتحمل العلامات التجارية أيضًا قيمة مرتبطة بصورتها الذهنية، إذ قد يفضل المستهلكون منتجًا معينًا ويقبلون على شرائه بسعر أعلى، حتى وإن كانت هناك منتجات أخرى تقدم الخصائص والجودة نفسها، ومع ازدياد ثراء الاقتصادات، من المتوقع أن تسهم هذه القيمة في زيادة الاستثمارات الموجهة لبناء العلامات التجارية. 

وقد تعزز دور العلامات التجارية مع تحول الاقتصادات إلى الاعتماد بشكل أكبر على الأصول غير الملموسة والمنصات الرقمية، في الوقت الذي تعيد فيه التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي تشكيل قيمتها والعوائد المتوقعة منها، إلى جانب ما تفرضه من تحديات ومخاطر جديدة.