رأي عُمان

جزر الحلانيات واختبار الأمن البيئي

 

تتحرك قبالة محافظة ظفار بقعة نفط تحت تأثير الرياح الموسمية المصاحبة لفصل الخريف، وتتبدل مساحتها وشكلها من يوم إلى آخر. وأظهرت أحدث عمليات الرصد أن أقرب أجزاء البقعة بات على مسافة نحو سبعة كيلومترات من الساحل. عند هذه المسافة، تخرج حادثة السفينة «كارولين بيزنجي» من نطاق جنوح سفينة بعيدة إلى اختبار مباشر لقدرة منظومة الاستجابة الوطنية في سلطنة عُمان على احتواء تلوث يقترب من سواحلها وثروتها الطبيعية.

تكشف الصورة التي قدمتها هيئة البيئة ووزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات عن استجابة واسعة تقوم على العلم والتنسيق. وتستعين الجهات المعنية بصور الأقمار الصناعية والاستطلاع الجوي والمسوح البحرية وبيانات الرياح والتيارات لتحديد حركة التلوث والمناطق الأشد حساسية التي يمكن أن يؤثر عليها. وقد حرصت الهيئة على التمييز بين ما رُصد فعليا وما تتوقعه النماذج، وهذه الدقة مهمة جدا للتعامل مع هذا النوع من التهديدات البيئية.

وما تزال الحادثة مفتوحة على احتمالاتها، فيما تتواصل المعاينات الفنية وجهود تحديد مصادر التسرب وتأمين بدن السفينة، إلى جانب الإعداد لنقل حمولتها النفطية بأمان ثم انتشالها. ومساحة التلوث المرصودة، البالغة نحو 390 كيلومترا مربعا، تعبّر عن النطاق الذي ظهر فيه النفط وقت الرصد ولا تحدد كميته. وتؤكد نتائج الرصد الحالية عدم وجود تهديد مباشر للمنشآت الحيوية أو السواحل العُمانية، وهي نتيجة تصف الوضع في لحظة زمنية محددة، فيما تظل المراقبة المستمرة ضرورة تفرضها حركة البحر وتقلب ظروفه.

ومع كل ما تمنحه التكنولوجيا من قدرة على الرؤية يبقى مركز الاستجابة عند السفينة نفسها، فكل ساعة يظل فيها مصدر التسرب مفتوحا تمنح البحر مجالًا أوسع لنشر التلوث. لذلك تظل الأولوية الفنية في تثبيت هيكل السفينة ووقف التسرب ونقل الحمولة وفق أعلى معايير السلامة، ثم إخراج السفينة من المنطقة قبل أن تفرض أمواج البحر سيناريو أشد صعوبة.

حول جزر الحلانيات تتجاور الشعاب المرجانية ومناطق تعشيش السلاحف وموائل الحيتان والدلافين والطيور البحرية. وقد أُنشئت محمية المنطقة البحرية العازلة حول الجزر في العام الماضي لحماية هذا التنوع النادر؛ الأمر الذي يحول قرار الحماية إلى مسؤولية عملية تستجيب لها الآن مختلف الجهات المعنية في الدولة، فأي ضرر يصيب هذه الموائل يمتد أثره إلى الصيادين والاقتصاد المحلي والأمن الغذائي، وقد يبقى في الرواسب البحرية بعد أن تختفي البقعة من سطح الماء.

وتفتح خلفية السفينة بابا آخر في هذه الحادثة. فالناقلة مدرجة على قوائم عقوبات دولية، وتنتمي إلى نمط من الملاحة تحيط به أسئلة تتعلق بالملكية والتأمين والصيانة والرقابة. وتكشف الحادثة خللا في نظام الملاحة العالمي، إذ تجني شبكات التجارة أرباح الرحلات، فيما تجد الدول الساحلية نفسها في الصف الأول لمواجهة المخاطر البيئية وكلفة الاستجابة، لذلك ينبغي أن يسير احتواء التلوث بالتوازي مع توثيق الضرر وتحديد مسؤولية مالك السفينة ومشغلها والجهات المؤمِّنة عليها.

إن الشفافية في نشر البيانات والتفاصيل كما تفعل الجهات المختصة في سلطنة عُمان هي جزء أساسي من إدارة الخطر لأنها تقلل الشائعات وتتيح للباحثين والصيادين وسكان المناطق الساحلية المشاركة في حماية البحر والإبلاغ عن أي آثار جديدة.

قد تدفع الرياح بقع النفط بعيدا عن الساحل لكن الدرس الذي تتركه الحادثة سيبقى قريبا منا، فاختبار خطط الطوارئ يبدأ اليوم عند السفينة ويستمر بعد زوال البقعة في تنظيف المواقع المتأثرة واستعادة الموائل وتحديد المسؤوليات، ومراجعة ما نجح وما تعثر. وعند اكتمال هذه الحلقات تتحول الجاهزية من خطط موضوعة لمواجهة الاحتمالات إلى قدرة وطنية تحمي البحر عندما يصبح الخطر حقيقة.