حين تكون «التقليدية» طريقا للإبداع
الاثنين / 26 / صفر / 1448 هـ - 19:25 - الاثنين 10 أغسطس 2026 19:25
للشعر التقليدي ألقه، وبهاؤه، إنه الفسحة التي نطل بها نحو الماضي، والعين التي نرى من خلالها اللغة، ونشتمّ من ثناياها تلك القصيدة التي ظلت محافظة على هيئتها، وهيبتها، فالكلمات قد تتكرر، والمواضيع قد تعيد تدوير نفسها، ولكن يبقى الصدق في الطرح، والرؤية الواضحة للمغزى، وبساطة المعنى، والمبنى هي السمات الأصيلة التي بدأت تختفي من كثير من قصائد الجيل الجديد؛ حيث تتشابك المفردات، وتتعدد زوايا التناول، ويغلب التكلف، والصنعة، وتتشتت الرؤية في داخل النص الواحد، وهو ما يفقد هذه النصوص حرارتها، وقربها من القلب، رغم الإبداعات التي يحاول الشعراء الشباب أن يمرروها في نصوصهم.
إن التجديد أمر وارد، ولا بد منه، ولكن يبقى للماضي نكهته التي لا يمكن إغفالها، أو التغافل عنها، فحين يقول الشاعر (سعيد ود وزير) مثلا:
يا نوخذا السفينة في المجاري ارصد
واوصل دار القصور العامرة
انظر وطالع في غبّة بطين (الحد)
مرسى (مخا) ريّس، وحط الباورة
وقسّم سلامي بين الشايب والولد
لا تزيد لهذا، وهذا تحقره!!
تلاحظ ذلك الإبداع، والتلقائية، والعفوية وعدم التكلف التي صاغ بها الشاعر (مقصبه)، كما تطل البيئة بوضوح، ودون مواربة، إلى جانب وجود المكان مثل (الحد، ومخا)، ومسميات محلية بحرية كـ (النوخذا، والغبّة، والباورة)، وهكذا تسير الكثير من القصائد التي حفظت لنا أيام العمانيين، وحياتهم، وسيرتهم، والتي نفتقدها في معظم نصوص الجيل الحالي، والتي تحولت إلى سيرة ذاتية للشاعر، يروي من خلالها معاناته، أو عواطفه، رغم أنها أغراض شعرية قائمة، ومكرورة، ومتوارثة، ولكن معظمها ينحصر في زاوية (الأنا)، وتفتقد لروح الجماعة، أو التعبير عن سيرة المجتمع؛ حيث يبقى الشاعر أحد ركائز هذا المجتمع، والمتحدث بلسانه، والحافظ لحكاياته، ويومياته، ولا شك أن هناك شعراء شباب كتبوا في هذه الجوانب، ولكنهم يبقون قلّة، ومحاصرين بأنواع شتى من الرقابات التي تفقد النص عفويته، وصدقه، وشاعريته.
إن الشعر يجب أن يسير بين الناس، ويترصد أحوالهم، ويحكي حكاياتهم، ويسجّل يومياتهم، وألا يبقى حبيس الذاتية، والتعقيد، ومحاولة الإنتاج دون أي تنوّع يُذكر، بحجة الخروج عن المألوف، والتميز دون أي ثمرة يمكن جنيها من شجرة القصيدة.
وفي كل الأحوال يبقى الشعر المؤثر والصادق -أيّا كانت طريقة كتابته- حيّا في النفس، وباقيا في الذاكرة، بينما يذهب الشعر المتكلف، وغير الصادق غثاء كغثاء السيل، لا يروي، ولا يسقي قلبا، ولا وجدانا.