غزة .. اختبار السلام ينتقل إلى إسرائيل
الاحد / 25 / صفر / 1448 هـ - 20:07 - الاحد 9 أغسطس 2026 20:07
على امتداد الشهور الماضية، قُدّم نزع سلاح «حماس» باعتباره العقدة التي تعطل الانتقال من وقف إطلاق النار في غزة إلى تسوية أكثر استقرارا. كانت دولة الاحتلال الإسرائيلي تصر على أنه لا انسحاب ولا إعادة إعمار ولا إدارة فلسطينية جديدة قبل نزع سلاح حركة حماس، لكن موافقة حماس على خريطة طريق لإخراج سلاحها من الخدمة وضعت الشرط الإسرائيلي أمام اختبار لم يكن متوقعا، فإسرائيل التي طالبت بهذه الخطوة أعلنت رفضها للصيغة التي جعلتها ممكنة.
لا تعني الموافقة التي قدمتها حماس أن الحركة سلمت سلاحها أو أن الخلافات التقنية انتهت؛ فالخريطة تنصّ على عملية تدريجية تشمل الأسلحة الثقيلة ومواقع التصنيع والمخازن والأنفاق وتضع السلاح في النهاية تحت سلطة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وفق مبدأ «سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد». كما تربط هذه العملية بانسحاب إسرائيلي مرحلي تحت إشراف لجنة تحقق دولية وبمساندة قوة استقرار يفترض أن تنتشر في القطاع.
وتطرح إسرائيل اعتراضات تتصل بمكان تخزين السلاح ودور اللجنة الفلسطينية ومشاركة قطر وتركيا في التحقق وقدرة القوة الدولية التي لم تتشكل بعد على منع إعادة التسلح. وبعض هذه الاعتراضات تحتاج، وفقا لإسرائيل، إلى ضمانات واضحة وتفاصيل تنفيذية دقيقة، لكنها لا تفسر وحدها رفض إسرائيل مبدأ الانسحاب المتزامن مع إخراج السلاح من الخدمة، وإصرارها على البقاء في مواقعها الحالية حتى يكتمل نزع السلاح وفق تعريفها هي.
وفي هذه النقطة تكمن العقدة الحقيقية، فإذا كان السلاح الفلسطيني سيخرج من المعادلة من دون التزام مقابل بإنهاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية، فإن نزع السلاح يتحول من خطوة في طريق السلام إلى شرط أحادي يطلب من الفلسطينيين التخلي عن آخر عناصر القوة، فيما تحتفظ إسرائيل بالأرض وبحق التدخل وبالقدرة على تحديد ما إذا كانت الالتزامات قد نُفذت. هذا الأمر من شأنه أن يحول الإدارة الفلسطينية المقترحة إلى جهاز لإدارة السكان تحت الاحتلال من دون أن تكون لها سلطة تمهد لقيام الدولة.
لا يمكن فصل موقف حكومة الاحتلال الإسرائيلي عن حسابات الانتخابات المقررة في أكتوبر المقبل، فقد بنى نتنياهو خطابه على وعد «النصر المطلق»، وسيكون أي انسحاب من غزة صعب التسويق أمام ائتلافه وقاعدته اليمينية. غير أن اختزال المسألة في مستقبل نتنياهو قد يحجب المشكلة الأوسع. تريد بعض القطاعات المؤثرة في السياسة الإسرائيلية الاحتفاظ بحرية العمل العسكري داخل غزة، وتتعامل مع «الخط الأصفر» الذي تسيطر إسرائيل خلفه على معظم مساحة القطاع باعتباره واقعا قابلا للاستمرار، رغم أنه أُنشئ بوصفه خطا مؤقتا.
وقد تكون موافقة حماس مناورة سياسية قصدت منها نقل مسؤولية التعطيل إلى إسرائيل، لكن الخطوة فتحت مسارا كان مغلقا وغيّرت توازن الموقف التفاوضي. فالحركة قبلت، للمرة الأولى، أن ينتقل السلاح إلى سلطة فلسطينية مدنية ضمن مسار دولي. وكان يفترض أن يدفع ذلك واشنطن و«مجلس السلام» إلى الضغط على إسرائيل لتقديم تصور قابل للتنفيذ، بدلا من تعديل تسلسل الخطة بحيث يصبح الانسحاب مؤجلا إلى أجل تقرره إسرائيل.
يحتاج السلام في غزة إلى آلية حقيقية تقوم على التحقق المتبادل، فتُقابل كل خطوة موثقة لإخراج السلاح من الخدمة خطوة موثقة في الانسحاب من القطاع، بالتوازي مع دخول الإدارة الفلسطينية وبدء الإعمار وفتح مسار جاد لتقرير المصير. أما إخراج سلاح الفصائل من المعادلة من دون ضمان نهاية الاحتلال، فسوف يعيد إنتاج أسباب التسلح، ويترك غزة أمام هدنة مؤقتة تحمل في داخلها شروط الحرب التالية.