أفكار وآراء

ما يمكن أن يفعله آندي بيرنهام لفلسطين

ترجمة: أحمد شافعي 

أشار كل من آندي بيرنهام ووزير خارجيته الجديد إد ميليباند إلى أن السياسة البريطانية تجاه إسرائيل وفلسطين لا بد أن تتغير. إذ يريد بيرنهام أن يفرض ضغطا جديدا على إسرائيل فيما يتعلق باحتلال الأراضي الفلسطينية، ومن سبل ذلك دعم مبادرة السلام العربية التي طرحتها المملكة العربية السعودية للمرة الأولى سنة 2002، وهي خطة تدعو نطاقا عريضا من البلاد العربية إلى اعتراف سلمي بإسرائيل في حال قبول الأخيرة بدولة فلسطينية. غير أن قرار بيرنهام وميليباند بالمضي قدما في التعامل مع حكومة نتنياهو الحالية ـ وبخاصة في موسم الانتخابات ـ أمر لا معنى له. 

وبطبيعة الحال، إذا ما أرادت الحكومة البريطانية الجديدة إحداث فارق حقيقي، فلا بد لها من التعامل ليس فقط مع الإسرائيليين (الذين يتوجهون إلى صناديق الاقتراع في السابع والعشرين من أكتوبر) ولكن أيضا مع قيادة فلسطينية قادرة. ومن المرجح كثيرا أن تسفر انتخابات إسرائيل في أكتوبر عن قيادة جديدة، برغم أنه لا يوجد مرشح قوي لرئاسة الوزراء يقيم حملته على أساس التفاوض مع الفلسطينيين في الوقت الراهن. وإنما العكس. ومع ذلك فبوسع حكومة يمينية أقل تشددا أن تفتح أفقا للتفاوض. 

في الوقت نفسه، نرى أن شعبية السلطة الفلسطينية أقل مما كانت عليه في أي وقت مضى، وقد أنهكها اشتداد القبضة الإسرائيلية الخانقة على كل جوانب الحياة في الضفة الغربية، ناهيكم بحرب غزة (وحتى خطة ترامب للسلام لا تطالب حماس بنزع السلاح إلا في حال موافقة إسرائيل على إيقاف توغلاتها في غزة، في حين لا يبدو أن إسرائيل تخطط للالتزام بذلك، ومن ثم فإن حماس هي الأخرى لا تنزع سلاحها. فالوضع راكد ركودا يخفيه اتفاق مبارك من ترامب لا يعتقد أحد عدا الولايات المتحدة أنه حل). 

في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية، سوف تقام انتخابات تشريعية ورئاسية فلسطينية في شهر نوفمبر، وهي الأولى منذ عام 2006. ولقد كان ينبغي أن تكون السلطة الفلسطينية ـ التي أسستها اتفاقيات أوسلو سنة 1993، محض محطة على الطريق إلى حكومة فلسطينية ودولة مستقلة. ولقد جردتها حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية من أي سلطة متبقية لها، فأفقدت رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كل شعبية كان يحظى بها، أما خليفته المختار في ما يبدو، وهو حسين الشيخ، فلا يحظى بأكثر من 3% من الشعبية بين الفلسطينيين. 

أما الأكثر شعبية بين الفلسطينيين، أي مروان البرغوثي، فيفكر في الترشح للرئاسة من محبسه، ويسعى حلفاؤه إلى تأسيس قوة تشريعية من خلال الانتخابات القادمة. 

ومثلما كتبت من قبل في مجلة بروسبكت، فإن البرغوثي المعتقل لدى إسرائيل منذ 2004 بسبب دوره القيادي في الانتفاضة الثانية التي لقي فيها أكثر من ألف إسرائيلي مصرعهم لا يزال ينعم بشعبية جارفة بين الفلسطينيين سواء من أنصار فتح (الفصيل الفلسطيني الأساسي، والقومي العلماني، الذي يقوده عباس وسبق أن كان قائده هو ياسر عرفات) أم من أنصار حماس. ويتبين من استطلاعات رأي أجريت خلال السنوات الثلاث الماضية وأكثر أن البرغوثي هو المفضل لدى جميع الفصائل. 

غير أن القيادي البالغ من العمر ستة وستين عاما محبوس بخمسة أحكام بالسجن مدى الحياة إضافة إلى أربعين عاما، لكونه قائد الانتفاضة الثانية. وقد كان عندما اعتقلته القوات الإسرائيلية عضوا في المجلس التشريعي الفلسطيني. وبناء على جميع بياناته المنشورة فضلا عن الكثير من التصريحات الصادرة عن أسرته، فإنه لا يزال يؤيد حل الدولتين، والسلام بين إسرائيل ودولة فلسطين المستقبلية. 

ومن بين ما يمكن أن تفعله حكومة بيرنهام أن تطالب فورا بتقييم صحي حديث للبرغوثي وجميع الأسرى الفلسطينيين. ولقد أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية حكما في قضية رفعها اتحاد الحقوق المدنية في إسرائيل (وهو منظمة غير حكومية أعمل مستشارة لها) يلزم الوزير اليميني إيتمار بن غفير بالسماح للصليب الأحمر الدولي بزيارات للسجون الإسرائيلية. ولم يحدث هذا بعد ـ بسبب السابع من أكتوبر 2023 ـ في مخالفة لكل من القانونين الإسرائيلي والدولي. وثمة عمل فوري آخر يمكن أن يقوم به السفير البريطاني أو أي مسئول بريطاني زائر وهو طلب زيارة للبرغوثي في محبسه. ومن المؤكد أن حكومة نتنياهو سوف ترفض هذا الطلب، لكن أهميته تتمثل في إرساء سابقة تعلم منها الحكومة الإسرائيلية أن العالم منتبه إليها ويراقبها. 

لقد التقيت أخيرا بـ(عرب)، نجل البرغوثي الذي يبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاما، وتناولنا القهوة في حي البيرة برام الله. وكان آخر اتصال لعائلة البرغوثي معه قد تم قبل أكثر من ثلاث سنوات ومن خلال محاميه. وحتى في تلك المرة كان على المحامي (وهو محامي حقوق إنسان إسرائيلي مرموق) أن يتقدم بطلب لرؤية موكله بعد أن رفض مسؤولو السجن ذلك. 

قال لي عرب البرغوثي: «منذ السابع من أكتوبر، وبرغم عدم وجود علاقة لأبي بتلك الأحداث، فإنه خضع لحبس انفرادي مطول، وتعذيب، وتجويع، واعتداءات متكررة، وانتهاك جسدي شديد شمل كسر ضلوع وإطلاق رصاصة مطاطية عليه أخيرا من مسافة قريبة». 

وأضاف: «إنني خائف على حياته. والسبيل الوحيد لحماية مروان البرغوثي هو إطلاق سراحه، فيرجع إلى أهله وشعبه والدور الذي يمكن أن يقوم به في توحيد الفلسطينيين». وقال: إن أباه في واقع الأمر يفكر في الترشح للرئاسة. ولكن القرار النهائي سيتخذ فور إعلان التاريخ المحدد لإجراء الانتخابات الرئاسية. 

وقد تبنى قضية البرغوثي قادة عالميون، بل لقد أتى ذكره على لسان دونالد ترامب نفسه، بعد أن سمع باسمه على الأرجح من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أو من السعوديين إذ يتبنى كلا البلدين قضيته. (فضلا عن وجود حملة عالمية متنامية تدعمها مؤسسة «مشاريع امتلاك المكان» المتخصصة في الحملات ويمولها أفراد ملتزمون بحقوق الإنسان والديمقراطية. ولا تتلقى الحملة تمويلات من حكومات بحسب ما قاله مستشارون يديرون أعمالها). 

سيكون دعم بيرنهام وميليباند لمبادرة السلام العربية هو الجزء شبه اليسير. فلا يمكن التوصل إلى اتفاق بين الشعب الفلسطيني والإسرائيليين دونما قيادة قادرة ذات مصداقية تتجاوز الفواصل الأيديولوجية بين الفلسطينيين. وسيكون إطلاق سراح البرغوثي من محبسه، أو حتى التفاوض مع قيادة فلسطينية، أمرا صعبا على أي حكومة إسرائيلية بعد هجوم حماس على الداخل الإسرائيلي في السابع من أكتوبر. فقد استغل قادة إسرائيليون مرارا وتكرارا وعلى مدار عقود دور البرغوثي القيادي في الانتفاضة الثانية. فالقول إن الإسرائيليين سوف يحتاجون إلى تشجيع عالمي هو أقل ما يمكن قوله في هذا الصدد. 

لكن لو أن الحكومة البريطانية الجديدة تريد التدخل، فإن لها ثقلها. ولم تستعمل المملكة المتحدة أو الاتحاد الأوروبي ما لهما من نفوذ. فكلاهما شريك تجاري هائل الأهمية لإسرائيل. والمملكة المتحدة لديها اتفاقية دفاعية تكنولوجية منفصلة هي (اتفاقية التجارة والشراكة) مع إسرائيل فضلا عن مذكرة تفاهم لتوسيع التعاون في مجالات الأمن السيبراني والتكنولوجيا والتجارة والدفاع. 

ولا شك في أن إخراج المبادرة العربية من العتمة إلى وضح النهار أمر حيوي للغاية. وهو أمر ضروري للانتقال بالحوار في السياسة الخارجية من منطقة الاتفاقات الإبراهيمية التي تقودها الولايات المتحدة وتتجاهل القضية الفلسطينية، إلى منطقة معالجة صلب الصراع في المنطقة. والشعب الإسرائيلي يرغب بشدة في اتفاقية شاملة مع جميع الدول العربية ليحصل على إحساس بالأمان، والمملكة العربية السعودية هي حارس البوابة بالنسبة لبقية البلاد. غير أن الاتفاقيات الإبراهيمية لا تطالب إسرائيل بشيء في ما يتعلق بالفلسطينيين. 

والحق أن ترامب تنازل أخيرا عن هذا الخيار مرة أخرى حينما سمح للسعوديين في ما يبدو بشراء قدرة نووية من الولايات المتحدة. لكن يبدو أن خاطرا خطر له فأضاف لاحقا أن هذا لن يحدث إلا في حال توقيع المملكة العربية السعودية على الاتفاقات الإبراهيمية التي تعترف بإسرائيل. ويظل السعوديون مصرين على ألا يوافقوا على التطبيع مع إسرائيل دونما دولة فلسطينية. وهكذا يبقى مروان البرغوثي في محبسه الانفرادي بسجن إسرائيلي، وهو ليس الوحيد، فثمة الكثير من الأسرى الفلسطينيين المعتقلين في إسرائيل، غير أن البرغوثي هو السجين الوحيد الذي قد يكون لديه مفتاح مستقبل مختلف لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين. 

 جو آن مورت صحفية وشاعرة أمريكية 

 عن مجلة بروسبكت