أعمدة

آه، يا مجز الصُّغرى التي في الليل

 

(1) 

فلأبدأنَّ حلقة هذا الأسبوع، إذا ما أنتم شئتم لي، بهديَّتين عظيمتين من أبي يزيد البسطامي. 

أما الهديَّة الأولى فهي: «المحبَّة هي استقلال الكثير من نفسك، واستكثار القليل من حبيبك». 

وأما الثانية فهي: «الناس كلهم يقولون به، وأنا أقول منه». 

(2) 

أنا إخفاقي الضَّروري، أنا عاري الأكبر. ولستُ أنا قدرات الآخرين ومكائد الكون. 

(3) 

لا أعيش (أو أموت)، وأحب (أو لا أحب)، وأكتب (أو لا أكتب) إذعاناً للمقتضيات. 

أنا وحدي قضاءٌ فضاءٌ، وأنا وحدي فضاي وقضائي. 

(4) 

هذه الجثَّة تحتاج إلى القليل من البخور، والمزيد من الدَّفن. 

(5) 

يبدو أن أحدهم قد خذله سِرجُه الواقع عند هذه النقطة من الدرب العسير، ولا يعني هذا بالضرورة أنه شهيد الغد. 

(6) 

هذا الصَّباح تبرئة (ليس براءة، وليس قارباً ورقيًّا ينفثه الأطفال إلى العدم). 

(7) 

هكذا، الحريَّة، أيضاً: شعورٌ ناقص وعاجز تماماً في هذه اللحظة الآبقة تحديداً. 

(8) 

أمن جِبايةٍ أخرى فيما تبقَّى من هذا الليل يا ساحرات «ماكبث» شكسبير؟ 

(9) 

الأصوات صدى (والعكس صحيح)، وكل الأصداء حروب (والعكس صحيح). 

(10) 

المُناغاة في الرَّواسي. 

(11) 

الماء أول أعذار الخمرة. 

(12) 

تبوء الخليقة، تبوء. وأصبحنا لا ندري كم تبوء. 

(13) 

كل هذا الذي من حولي (وأنا سريري بالكاد يتَّسع لفراق واحد فقط). 

(14) 

يكتبون في الإحاطة، ويكذبون في الإطاحة. 

(15) 

الذِّراع خصلة حنان، والسَّاعدُ البكاء والسَّيف. 

(16) 

البحر هو المكان الوحيد، والسِّر الأوحد، الذي يمكن النَّظر منه إلى كل ذلك الذي حَدَث البارحة. 

(17) 

يميد القمر. 

(18) 

لا ينقص الموت الورد، ولا الكمد. 

(19) 

الصَّباح البِكْر ميقات القوافل، والنَّبيذ، والحليب، والنَّدم. 

(20) 

الحشرات ليست من بقايا الحضارة، والدِّيناصورات ليست بالضَّرورة تذكيراً بآدم. 

(21) 

حين لم نكن هناك («هناك» الذي أنتَ فيه). 

(22) 

نَفَدَ السُّم في الانتظار. 

(23) 

وآأسفاه، نصيبي من الليل يزداد في هذا الخيط. 

(24) 

كل حرير بلاد الهند والسِّند، وخراسان، وزعتر عُمان، وزعفرانها، ولبانها، وورسها، وورد جبلها الأخضر، لا يكفي لتغطية الحجرة التي وُلدَت فيها تلك السُّلالة. 

(25) 

الأمواج تميس وتغنج، والبحر مُذَكَّر. 

(26) 

ليس الفقد رفيق الرحلة، بل هو الطَّريق. 

(27) 

يبخس الليل نفسه في الليل. 

(28) 

الأثر وهج الغياب. 

(29) 

الحب يراعٌ، وذكرى، وقصيدة مفقودة. 

(30) 

ما الذي يمكن أن يردم الهوَّة بين تعّوب الكحَّالي والذكاء الاصطناعي؟ 

(31) 

طُحلُبٌ صغير على آخر النِّسيان. 

(32) 

كلمتان في الحلقوم بعد تردُّد الرِّضاب. 

(33) 

لا يصير البيت منزلاً إلا حين تغادره للمرَّة الأخيرة. 

(34) 

كلما كبرت مساحة بلادٍ ما، وتباينت تضاريسها، وكثر عدد سكانها، وفاقت توقيتات أرجائها منطقة زمنيَّة واحدة، ازداد غباء أهلها وقلَّت نباهتهم وفطنتهم، وضاقت بديهتهم. لكن نوابغها وعباقرتها لا يُضاهَون (الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، على سبيل المثال). 

(35) 

الحُبُّ أكبر مصدر للخوف، وأفضل أسباب البقاء والفناء معاً: الحبُّ دوماً في الطَّور، وفي اللعثمة والشُّواش. 

(36) 

الأصدقاء داعي النَّدم، والمناورة، وحدُّ النَّصل المباغِت. والأعداء هم السبب الوحيد للاستبسال في البقاء. 

(37) 

أرجوكِ، لأجلك، اكبري أكثر أيتها الفقاعات. 

(38) 

أبغيكِ، حين تضعين الألق، والتَّردد، وأحمر الشِّفاة، وتذهبين وتنسين في الشَّفق. 

(39) 

الغِلُّ عِلَّة، والصَّفح موت. 

(40) 

كل كلمة يستعملها الجميع مأزق. كل كلمة ليست بعدُ كارثة أكبر. 

(41) 

سفينةٌ لا تتماهى في بحرٍ لا يتغاضى. 

(42) 

كل ميِّت مدعاة للقسوة. كلُّ حيٍّ لا أعرفه. كلُّ شرنقةٍ حشرجة. كل حشرجة صيفٌ طويل. كل صيفٍ طويل مَغَبَّةٌ شاقَّةٌ في النَّثر. 

(43) 

البداية، والمنتصف، والخاتمة: هذا ما لديَّ عن الصَّريع الذي، للأسف، صدَّق كل شيء. 

(44) 

أخذتني ساقية إلى فِراش. وفي الماء رأيت فَراشات، وفرساناً. ثم أبصرت النَّدم. 

(45) 

قطارٌ لا يرى شيئاً، ولا يكلِّم أحداً. قطار يكتفي بصفارته ويريد أن يمضي بلا ذكريات. 

قِطار من هذا غيري؟ 

(46) 

كِسرات لا تتفتَّت؛ قَطَراتٌ في أعمق الصُّخور؛ لوحاتٌ إرشاديَّة لا تقود إلى البحيرة؛ فاصلةٌ منقوطةٌ في الهيولى. 

(47) 

الميزان، والجور، والنَّاس، والعدل في النَّهار. والليل كَلَفُكِ. 

(48) 

بالضَّبط والتَّمام، كما في طابور عسكري، يسير النَّاس في كل صباح إلى الصَّيحة. 

بالضَّبط والتَّمام، كما في طابور عسكري، تحدث الكوارث في كل الصَّباحات. 

(49) 

النَّزقُ حماقةٌ هائلة، أعظم المحاولات، أكثر الاستيقاظات، أكثر الحَرج في الليل، ضريبة النَّهارات، وأعتى ضروب الخوف من الشمس والظلام. 

(50) 

لا يريد أن يضحك طويلاً لأنه يضحك أخيراً؛ بل يريد تذكُّر أنه من أوائل من بكوا كثيراً حين بدأ كل هذا المهرجان الكئيب الذي أفضى إلى المفاضلات الهشَّة. 

(51) 

أنظر في بعض ما يجري: ليس من شِيَم المِلح أن يحل محل التَّفاهة (ناهيك عن أن يداويها). 

(52) 

ما من أغنيةٍ كَفَت البارحة، وأغنيةٌ واحدة فقط تصلح لليوم. 

(53) 

صرتُ أعرفكم جيداً وأنا أسير وحيداً إلى النجمة الأخيرة (من دون أن أضطر للالتفات إلى الخلف كي أراكم). 

(54) 

حديثي في الطِّين ثقيل، والحَجَر هرولة، والغصن قِطٌّ، والنُّطق عاصفة، والذِّكريات طَرْس. 

(55) 

ثمَّة رعب كبير في كتابة الشَّذرات: الخوف من قرية تتشكَّل في الطِّين والذَّاكرة، ومن سهوٍ غائر في الإسمنت والدَّرب، ومن جدارٍ في عليَّة المقبرة، ومن ظلٍِّ قَصيٍّ لغرفةٍ شجنها لن يفهمه أحد. 

(56) 

آه، يا مجز الصُّغرى التي في الليل: قمراً غريقاً، و«نجم سهيل»، وريح «كوس» أو «غربي»، و«بنات نعش»، وأجنَّة هلعة، وشمساً في النُّخط. 

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني