تقرير: لماذا يستمر الاحتلال في وضع العوائق أمام خارطة الطريق؟
السبت / 24 / صفر / 1448 هـ - 20:21 - السبت 8 أغسطس 2026 20:21
ذريعة لجنة التحقق..
غزة- «عُمان»- بهاء طباسي:
أثارت صحيفة «يسرائيل هيوم» الإسرائيلية جدلاً بشأن ما وصفته بهيئة جديدة ظهرت في «خارطة الطريق» التي نشرها «مجلس السلام» بشأن غزة، وقالت إن «اللجنة الدولية للتحقق» لم يكن معروفاً إنشاؤها من قبل، وإن تشكيلها لم ينسق مع إسرائيل. وذهبت الصحيفة إلى أن اللجنة ستشرف على نزع سلاح حماس، وتراقب مجمل ما يجري في القطاع، قبل أن تبرز غضب الحكومة الإسرائيلية من احتمال عضوية قطر وتركيا فيها، معتبرة ذلك محاولة لدخول المشهد «من الباب الخلفي». وهذا فارق جوهري في قراءة الخبر وتقييم أثره.
لكن مراجعة نص الخطة وسياق الإعلان تقود إلى نتيجة أكثر دقة. فوجود اللجنة مؤكد، غير أن وصفها بأنها ظهرت للمرة الأولى مع نشر الخارطة مضلل؛ إذ طُرحت فكرة لجنة تحقق مستقلة في مقترحات سابقة خلال مايو الماضي. الجديد لم يكن اختراع الفكرة، بل تثبيت اسمها وربطها بآلية الانتقال بين مراحل الخطة. كما أن القول بعدم التنسيق مع إسرائيل يعكس رواية إسرائيلية لم تثبتها الوثيقة المنشورة.
ماذا يقول البندان الثاني والثالث؟
ينص البند الثاني من خارطة الطريق على أن «مجلس السلام» ينشئ لجنة التحقق الدولية، وتضم ممثلين عن الدول الضامنة، والمجلس نفسه، وقوة الاستقرار الدولية. وتتمثل مهمتها في التصديق على وفاء الطرفين بالتزاماتهما قبل بدء تنفيذ المرحلة الثانية، على أن تُعد آليات التنفيذ والجدول الزمني خلال أربعة عشر يوماً من موافقة الأطراف أما البند الثالث فيربط الانتقال من مرحلة إلى أخرى باستكمال الالتزامات السابقة بصورة موثقة، ويكلف اللجنة بالتحقق من ذلك ورصد الانتهاكات عبر آلية مراقبة معززة.
ولا ينص أي من البندين صراحة على تسمية قطر أو تركيا عضواً في اللجنة. صحيح أن تعبير «الدول الضامنة» قد يفتح الباب أمام مشاركتهما، في ظل ورود اسميهما ضمن الدول المنخرطة في مسار الوساطة، لكن التشكيل النهائي لم يُعلن. لذلك فإن ما نقلته «يسرائيل هيوم» عن عضويتهما ينبغي عرضه باعتباره احتمالاً أو اعتراضاً إسرائيلياً على مشاركة محتملة، لا باعتباره قراراً نهائياً.
-صلاحيات محدودة وتأثير سياسي واسع
لا تمنح الخارطة لجنة التحقق سلطة تنفيذية مستقلة لنزع السلاح. فعملية حصر الأسلحة الثقيلة وتخزينها وتفكيك مواقع الإنتاج والمخازن والأنفاق تناط باللجنة الوطنية لإدارة غزة، بدعم من قوة الاستقرار الدولية، بينما تراقب لجنة التحقق التنفيذ وتصادق عليه. ولم يرد في بنود خارطة الطريق أنها تملك حق فرض عقوبات، أو إصدار أوامر بوقف عمليات إسرائيلية، أو استخدام القوة ضد المخالفين. غير أن شهادتها قد تصبح حاسمة سياسياً، لأن الانتقال بين المراحل والانسحاب التدريجي وإطلاق إعادة الإعمار مرتبط بالتحقق من الالتزامات.
في هذا السياق، قال الكاتب والباحث في الشؤون الإسرائيلية عاهد فروانة إن حكومة الاحتلال، بقيادة بنيامين نتنياهو، تستغل إعلاماً إسرائيلياً موجهاً لتسويق رفض خارطة الطريق، وحرمان الفلسطينيين من حقهم في السلام والإعمار وإنهاء الحصار. وأضاف لـ«عُمان»، أن هذا الإعلام يبحث عن أي ذريعة لإبقاء غزة في دائرة القتل والتجويع والحصار، مع استمرار السيطرة العسكرية على أكثر من 60 في المئة من مساحة القطاع وتحويله إلى كانتونات تخدم المشروع الصهيوني في الأراضي الفلسطينية.
وأوضح فروانة أن موافقة الاحتلال على خارطة الطريق تعني انسحابه من غزة وإنهاء الحرب التي يتغذى عليها اليمين المتطرف ويستمد منها شرعيته الانتخابية. ورأى أن البندين الثاني والثالث لا ينصان صراحة على وجود قطر وتركيا في لجنة التحقق الدولية، التي تراقب نزع السلاح وتتأكد من وفاء الأطراف بالتزامات الخارطة، معتبراً أن تحويل الاحتمال إلى حقيقة يخدم خطاب الرفض الإسرائيلي.
وأضاف أن الاحتلال يريد أن يكون صاحب الكلمة العليا في غزة، من دون التزامات سياسية أو إنسانية، وبما يضمن له تصفية خصومه لاحقاً أو إنهاء ما تبقى من مقومات الحياة في القطاع. وبحسب فروانة، تسعى إسرائيل إلى الاحتفاظ بقرار الحرب والسلم، بحيث تستخدمه وفق مصالحها وحدها، لا وفق اتفاق دولي يفرض انسحاباً ومراقبة وإعادة إعمار.
وأشار الباحث إلى أن الاحتلال يريد أن تظل له اليد العليا في غزة، من دون التزامات سياسية أو إنسانية، وبما يتيح له تصفية خصومه لاحقاً أو إنهاء ما تبقى من مقومات الحياة في القطاع. وتكمن المشكلة، وفق قراءته، في محاولة إسرائيل الاحتفاظ بقرار الحرب والسلم واستخدامه وفق مصالحها وحدها، لا وفق اتفاق دولي يفرض انسحاباً ومراقبة وإعادة إعمار.
وختم فروانة بالتأكيد أن الضغط الدولي ينبغي أن يركز على إلزام الاحتلال بقبول نصوص خارطة الطريق وبنودها، لا إعادة التفاوض عليها كلما اقترب تنفيذها. وقال إن إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني المستمرة منذ ثلاث سنوات يتطلب وقف الحرب ورفع الحصار وبدء الإعمار، لا استخدام الغموض الإجرائي غطاءً لإطالة الأزمة.
تعنت إسرائيلي وخروقات ونزيف إنساني
وكان «مجلس السلام» قد نشر في 31 يوليو/تموز 2026 وثيقة من 15 بنداً حملت عنوان «خارطة طريق لاستكمال تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشاملة للسلام في غزة»، وذلك عقب إعلان موافقة حركة حماس على إطار تفصيلي لتنفيذ المرحلة التالية من اتفاق وقف الحرب. وتحدد الوثيقة الترتيبات الأمنية والإدارية والسياسية للمرحلة المقبلة، بما في ذلك وقف العمليات العسكرية، ونقل إدارة القطاع إلى لجنة وطنية فلسطينية، ونزع سلاح الفصائل تدريجياً، بالتزامن مع انسحاب الجيش الإسرائيلي، وبدء عملية إعادة الإعمار. لكن حكومة الاحتلال اعترضت على تلك الخريطة وامتنعت عن تنفيذها، وأكدت أنها لن تنسحب من حدود الخط الأصفر إلا بعد نزع سلاح حماس وتدميره.
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بحلول 6 أغسطس 2026، ومع مرور 300 يوم على بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، أن قوات الاحتلال الإسرائيلي ارتكبت 4,091 خرقاً للاتفاق، ما أسفر عن استشهاد 1,254 مدنياً فلسطينياً وإصابة 4,121 آخرين. وتزامنت هذه الانتهاكات الميدانية المستمرة مع تشديد الخناق الاقتصادي والإنساني؛ إذ عرقلت السلطات الإسرائيلية تدفق الإمدادات الأساسية والمنصوص عليها في الاتفاق، ولم تسمح سوى بدخول 35% فقط من شاحنات المساعدات الإنسانية المتفق عليها، مما أدى إلى تفاقم الأزمة المعيشية الحادة وتعميق المعاناة داخل القطاع المحاصر.