أعمدة

المشهد كما يبدو من أعلى..

بعد سنوات قليلة من توديعه المشهد، يبدو الآن كمن يجلس أعلى صخرة، تسكن طودًا شاهقًا، ومن موضعه ذاك، يراقب حركة العالم. تمرُّ عليه مشاهد فاصلة من حياته كشريط سينمائي. 

بدايةً، يظهر في المشهد مراهقون داخل غرفة صف دراسيّ، توزعوا بحسب ترتيب مُتفق عليه سلفًا. أستاذ الرياضيات، طالب ألِف الأستاذ نعتَه بـ«البليد»، رافع يديه على لوح الكتابة «السبورة»، لفشله في حل المعادلة المكتوبة بالطباشير، هذا الطالب شوهد بعد سنوات، في شخص المهندس الذي انتصر للإرادة، ولم تقتله القسوة -لحُسن الحظ. 

في المشهد التالي، تتبدى ملامح الصديق المُشاكس، الذي عُرف بتعدد علاقاته العاطفية ومقالبه التي تستهدف المعلمين، تلك التي تجبر والده دومًا على حضور استدعاءات المدرسة المتكررة، يا لتقلُّب أحوال الدنيا، تعرّض الشاب منذ سنوات لحادث سيارة عنيف، أسفر عن إعاقة دائمة. 

هناك في زاوية أُخرى مشهد مختلف، طالب جامعي خجول، يجلس بقاعة دراسية باردة رفقة زملاء وأصدقاء مستقبليين، مرشحٌ بعضهم لأن يكونوا أصدقاء، طلاب بدأ يتعرف على أسمائهم، عبر سِجل الأسماء الذي يدور في القاعة لتوقيع الحضور، جاؤوا من ولايات مختلفة، بسِمات متباينة ولهجات متعددة. 

في المساحة الخلفية من القاعة، تجلسُ الطالبات اللاتي يفوق عددهن عدد الطلاب الذكور، إنها المرة الأولى بحياته التي يدرس فيها صحبة إناث. 

تغزو الشاب المصدوم بالوضع الجديد مشاعر متداخلة، وهو متسمرٌ على كرسيه يشعر كأن عيونًا مترصدة من خلفه تراقب أدنى حركة تصدر عنه، لديه شغف كبير بالتعرف على ملامح الوجوه، بعد الفصل الدراسي الثاني، كانت لديه رغبة جامحة في تحديد المقعد الذي تجلسُ عليه (....). 

في مشهد آخر، تبدو مزرعة واسعة سكنت تلة مرتفعة، منذ الصباح الباكر وحتى منتصف الليل يقصد الناس المزرعة، إنهم ليسوا أغرابًا، إنهم مزارعون يبحثون عن أرزاقهم، شيخ المزارعين لم يكن يغرس الحُبوب، كان يغرس الحُب ويأمر بالقضاء على الآفات الخبيثة الضارة، لهذا كان ينام باكرًا. 

أما المشهد الأخير، وهو الأكثر ضبابية، فيكشف عن حيوات أشخاص يعرفهم، يبدو أنهم الأصدقاء، تظهر في البعيد غرفة عُلقت بأحد جدرانها صورة لعزيز راحل، أشخاص اعتقد لسنوات طِوال أنه كان يعرفهم، هُم أولاء يقفون خلف حاجز زجاجي، يبتسمون، يرفعون أيديهم محيّين بحرارة، يندهُ على أحدهم، يطلب منه المِظلة؛ حيث اليوم ممطر وبارد، يوليه الصديق ظهره، يبتعد عن الحاجز ببطء، يبلع الظلام ظِله، يختفي!! 

النقطة الأخيرة.. 

نحتاج للمزيد من الوقت والتجارب والمِحن والنكبات، لنعرف معادن من حولنا. 

عُمر العبري كاتب عُماني