خبر أخير من غرفة الأخبار!
السبت / 24 / صفر / 1448 هـ - 19:47 - السبت 8 أغسطس 2026 19:47
في عام 1997، وبعد سنتين من تخرجي في جامعة السلطان قابوس، قُبِلتُ للعمل في وزارة الإعلام محررَ أخبار في إذاعة سلطنة عُمان. وفي بدايات تدرّبي على التحرير كنتُ أراقب بعين متلصصة الأخبار التي يحررها من سبقني من المحررين، وأقارن بينها. على سبيل المثال، كنتُ أتعجب وأتساءل عن سر اهتمام الأستاذ محمود الميمني -رحمه الله- بأخبار الطقس والأعاصير، بحيث لا تكاد تخلو منها نشرة من نشراته. لكنني كنت معجبًا بالأخبار القصيرة الرشيقة والمكثفة التي يكتبها الأستاذ عبدالمجيد غلام، والتي تعلّم المرء كيف يقدّم قصة خبرية كاملة بأقل قدر ممكن من الكلمات، من دون حشو أو إطالة، وكيف يضع المعلومة الأهم في مكانها الصحيح ثم يمضي إلى ما بعدها من غير استطراد. وظللتُ بعد ذلك أردد لزملائي المحررين الذين أتوا بعدي: إذا أردتَ أن تتعلم تحرير الأخبار على أصوله فعليك بعبدالمجيد.
سبقني هذا الأستاذ إلى الإذاعة بعشرين عامًا، فقد تعيّن محررًا في «دائرة الأخبار والشؤون السياسية» -هكذا كانت تسمى- في الأول من يوليو عام 1977. وأذكر هذا التاريخ جيّدًا لأنه اليوم نفسه الذي تعيّن فيه بالدائرة صديقي وزميلنا المشترك زاهر المحروقي، بوظيفة طبّاع، قبل أن يصبح زاهر بعد ذلك قارئًا للنشرات التي يحررها عبدالمجيد.
ولنا أن نتخيل كيف تشكّل وعي شاب في مقتبل العمر كعبدالمجيد، قادم من شركة تنمية نفط عُمان، ومسلح بقدر جيد من الثقافة والعلم، في مكان يستقبل أخبار العالم ويفرزها ويتحقق منها عبر أكثر من مصدر، ثم يعيد صياغتها وبثها عبر الإذاعة. إنها «جامعة» دائرة الأخبار، بالضبط كما وصفها زاهر المحروقي بعد ذلك في كتابه «سارق المنشار»، خاصة إذا ما علمنا أن تلك الفترة شهدت العديد من الأحداث المفصلية والمنعطفات المهمة التي أثّرت في عالمنا العربي إلى اليوم؛ من زيارة السادات إلى القدس، إلى توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، إلى اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، ثم الحرب العراقية الإيرانية، واحتلال إسرائيل لبيروت، وخروج منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس.
ورغم ما أثارته هذه الأحداث الجسام من نقاشات وجدالات واستقطابات، لم يُعرف عن عبدالمجيد قط أنه كان متعصبًا لرأيه؛ بل كان صدره واسعًا لتقبّل الآراء المختلفة، وفي مقدمتها المخالفة لرأيه، ليس في السياسة فحسب، وإنما في مناحي الحياة الأخرى أيضًا. يكفي مثلًا أن نعرف أنه كان من كبار مشجعي النادي الأهلي في الثمانينيات وبداية التسعينيات، وهي الفترة التي شهدت تنافسًا شديدًا بين الأهلي ونادي فنجاء. ومع ذلك لم يكن هذا الانتماء يمنعه من الإشادة بالفريق المنافس حين يستحق الإشادة، ولا من مصادقة زميله سعيد المسكري، أحد كبار مشجعي فنجاء، الذي ظل على تواصل دائم مع عبدالمجيد، هو وزميلهما الآخر سالم حبيب الهلالي، حتى بعد تقاعدهم جميعًا من الإذاعة قبل عدة سنوات.
لا أعرف كم مرة واجه عبدالمجيد غلام الموت في حياته، لكنّ إحداها مضى عليها اليوم ستة وأربعون عامًا، إذ حدثت عام 1980، حسب رواية زاهر المحروقي في كتابه الذي أشرت إليه. ففي ليلة من ليالي ذلك العام تعرضت مسقط لأمطار غزيرة ورياح قوية أثناء مناوبة ليلية في الإذاعة، وكان عبدالمجيد ضمن عدد من الزملاء الموجودين في المبنى تلك الليلة. كانوا قد أزمعوا مغادرة الإذاعة، لكن مع اشتداد الأحوال الجوية قرر بعضهم تأجيل المغادرة والعودة إلى داخل المبنى، خاصة بعدما أسقطت الرياح اللوحة المعلقة فوق البوابة على السيارة التي كانوا يستعدون للرحيل بها. أما عبدالمجيد فكان قد غادر بمفرده في سيارته.
وفي صباح اليوم التالي، وبعد أن خفّت حدة الأمطار، خرج زاهر المحروقي وزملاؤه من المبنى، فوجدوا عبدالمجيد في وادي القرم، بعد مركز فحص السيارات، وقد توقفت سيارته هناك منذ منتصف الليل. ظل داخل سيارته طوال الليل عاجزًا عن مواصلة السير، في وقت كانت فيه السيول قد جرفت بالفعل عددًا من السيارات وأسقطت أشجارًا في المنطقة. ونجا عبدالمجيد يومها من أن يجرفه الوادي بسيارته، وبقيت تلك الحادثة من الذكريات التي ظل هو وزملاؤه يستعيدونها كلما عادوا إلى الحديث عن سنواتهم الأولى في الإذاعة.
هكذا أتذكر عبدالمجيد غلام: رجلًا هادئًا، قليل الضجيج، يؤدي عمله ويمضي في حياته من دون أن يزاحم أحدًا أو يدخل في خصومة مع أحد؛ عاش، في أغلب سنوات معرفتي به، أقرب إلى حاله، محتفظًا بمسافته الخاصة من الناس ومن صخب الحياة.
صباح أمس الجمعة بعث عبدالمجيد إلى بعض زملائه رسالة عبر واتساب يترحم فيها على متسلقة الجبال العُمانية نظيرة الحارثي، التي رحلت في حادث مأساوي قبل أسبوع. وما هي إلا ساعات قليلة حتى كان الجميع يترحم أيضًا على عبدالمجيد غلام. رحمهما الله وتغمدهما بواسع رحمته.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني