"فتحي غانم" روائي عربي كبير
السبت / 24 / صفر / 1448 هـ - 16:35 - السبت 8 أغسطس 2026 16:35
(1)
لأسباب لا أعلمها؛ ورغم ثورة المعلومات والاتصالات والسيولة الرقمية المذهلة؛ فإن ذاكرة الكتابة العربية تنوء بالكثير جدا من الأعمال والمدونات والأسماء التي خلقت منجزها الإبداعي والأدبي وتركت إرثها الأصيل، وقد أدهشني الغياب اللافت لعديد الأسماء من الكتاب والروائيين والمبدعين الذين كانوا ملء السمع والبصر، ثم توارى ذكرهم وخفت حضورهم شيئا فشيئا إلى أن وصلنا لمرحلة يسأل فيها بعض الكتاب الشباب الآن عن اسم فتحي غانم أو أحمد الشيخ أو الطاهر وطار أو إسماعيل فهد إسماعيل فلا يكادون يعرفون عنهم شيئا أو تقريبا لم يسمعوا بهم من قبل، وطبيعي نتيجة على ذلك أنهم لم يقرأوا حرفا من إبداعات هؤلاء الكبار!
لكن اللافت أن غياب روائي بحجم وقيمة فتحي غانم بالتحديد وهو صاحب الأعمال الروائية المهمة، عن عيون هؤلاء الشباب أمر يؤسف له، خاصة أنه يعد في تاريخ الرواية العربية 'علما من الأعلام' ترك روايات مهمة ورائعة، كرست اسمه ضمن آباء الرواية العربية المعاصرة باقتدار.
صحيح أن شهرة نجيب محفوظ، ولعقود طويلة طغَت على أسماء عدد كبير من أبرز وأهم الروائيين في مصر (ممن ظهروا خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي)، وصحيح أن هذه المسألة (الشهرة الطاغية لمحفوظ، وتعامل البعض معها على أنها عقبة في مسيرة الرواية العربية) كانت محل جدل ونقاش طويل ربما ما زال ممتدا حتى اللحظة!
لكن، ودون دخول في تفاصيل ذلك الجدال المعقد، فإنه بات من المعلوم أو ما أجمع عليه مؤرخو الرواية ونقادها في مصر، أن الروائي الكبير فتحي غانم (1923-1999) من أهم الروائيين الذين ظهروا بعد محفوظ، وربما يكون في نظر البعض هو الروائي الأهم في الجيل التالي له، بل نافس محفوظ في كتابة عدد من الروايات الضخمة، الملحمية، فتح بها الباب أمام نوع جديد من الرواية في الأدب العربي.
للبحث عن هذه الإشكالية نحتاج إلى حلقات وحلقات، لكني وعلى الأقل في حدود ما أجتهد في تبيانه وإضاءته هنا، سأشير مجرد إشارة إلى اسم الكاتب الكبير والروائي الراحل فتحي غانم، الذي رحل عنا قبل سبعة وعشرين عاما (في سنة 1999)، وهو الاسم الذي كان يُشار إليه باعتباره الروائي الأهم والأبرز فيما بعد نجيب محفوظ!
(2)
البعض يرى أن فتحي غانم روائي عظيم لم ينل حقه من التقدير (ومن الكتابات النقدية أيضًا) رغم كثرة أعماله التي تحولت إلى أفلام ومسلسلات، وربما كان من سوء حظه أنه كان معاصرًا لنجيب محفوظ، ولو لم يكتب سوى «زينب والعرش» و«الأفيال»، لكفاه ذلك بالتأكيد.
ترك غانم منجزا روائيا شاهقا؛ وكان من القليلين الذين استطاعوا الجمع بين الصحافة والرواية، دون أن تنتقص إحداهما من الأخرى، فقد كان روائيا بارعا وقاصا، وصحفيا من طراز فريد.. يحكي لي صديقي الناقد الكبير محمود عبد الشكور أنه عندما ذهب ليجري حوارًا معه بمناسبة صدور إحدى رواياته الجديدة فوجئ بشخصية هادئة وادعة عكس ما كان يتوقع، يقول عبد الشكور:
'عندما ذهبت لمحاورة الروائي الكبير فتحي غانم في مكتبه بمجلة (روز اليوسف) حول روايته الصادرة آنذاك «أحمد وداوود»، أدهشني أنه شخص خجول للغاية وخفيض الصوت أيضاً في حين أعطتني رواياته الجريئة؛ مثل «الرجل الذي فقد ظلّه» و«زينب والعرش»، و«الجبل»، إحساساً بأنه شخصية مقتحمة وجهيرة الصوت والحركة.. قال لي إنه يعتقد أن آليات إغواء السلطة للحكام تشبه آليات إغواء الغانيات للرجال.. وأشار إلى أنه سيكتب رواية بهذا المعنى.. في رأيي أنه من الصحفيين القلائل الذين تركوا أعمالا أدبية وروائية يُعتدّ بها وتضعه في الصفوف الأولى'.
شخصيا، بعد أن انتهيت من قراءة روايتيه الملحميتين الكبيرتين «زينب والعرش» و«الرجل الذي فقد ظله»، اللتين تعالجان تحولات الصحافة وتقلباتها من عصر الملكية إلى العهد الناصري.. كنت أسأل نفسي: لو أن فتحي غانم لم يشتغل بالصحافة ويخبر دهاليزها ويجوس في أروقتها ومكاتبها هل كان كتب هذين العملين الكبيرين أو غيرهما من أعماله الفاتنة؟!
وفي ظني أن الصحافة تمكن الروائي، والروائي بالتحديد، وليس أي شخص آخر، من امتلاك التفاصيل الصغيرة بل متناهية الصغر، فالرواية هي 'فن التفاصيل الدقيقة'، الصحافة تمكن الروائي من السير في الشوارع الخلفية للحياة، وأن يراها كما هي، لا كما أريد لها أن تظهر عليه، يدرك ما وراء الأشياء ويسعى لمعرفة الواقع وخبايا النفوس والكشف عن الدوافع الحقيقية لسلوك الأفراد والمجتمعات على السواء.
(3)
عاش فتحي غانم حياة صحفية طويلة وعريضة منذ أن عمل في «الفصول» بعد تخرجه في كلية الحقوق سنة 1944 قبل عام واحد من انتهاء الحرب العالمية الثانية، وعرف طريقه بعد ذلك إلى «روز اليوسف» التي ظلت بيته الأثير إلى أن فارق الدنيا.
وقد جذبته كتابة القصة منذ البداية بدأ بكتابة القصة القصيرة كالمعتاد، لاحقاً بجيل نجيب محفوظ، وكان قد أخذ يعرف طريقه إلى الشهرة مع تخرج فتحي غانم الحقوقي، وعمله في الصحافة الذي واكب بداية حياته الأدبية في الكتابة الإبداعية.
وأغرى جيل فتحي غانم بالكتابة في السياق الذي سرعان ما لحق به يوسف إدريس الطبيب الشاب المولود سنة 1927 والذي اقترن ظهوره الأدبي في جريدة «المصري» الوفدية التي ضمت الطلائع اليسارية المختلفة في تكوينها عن التكوين الليبرالي الراسخ في كلية الحقوق المصرية التي خرجت أمثال لطفي السيد ومحمد حسين هيكل والسنهوري الكبير، وغيرهم.
ويبدو أن اندماج فتحي غانم في عالم الصحافة أتاح له من آفاق الكتابة ما جعله يمضي في طريق خاص، فلم ينشغل بعالم الطبقة الوسطى الصغيرة في أحياء القاهرة القديمة التي فتنت نجيب محفوظ في «قصر الشوق»، «السكرية»، «زقاق المدق»، «خان الخليلي»، «بين القصرين» إلخ، فانشغل بمحاولات صعود شرائحها الصغرى إلى شرائح أعلى طبقياً، وبالتحولات الاجتماعية السياسية التي تمر بها هذه الطبقة، وبالزمن الذي يقف وراء كل تطور وتغير في رحلة الأجيال التي ظلت علامة على روايات نجيب محفوظ..
أما فتحي غانم فقد بهره عالم الصحافة وتحولاته وصراعاته، خصوصاً من حيث هو فضاء تمرح فيه السلطة والقوة السياسية، ويختلط رأس المال بالقوة الإعلامية للصحافة، خصوصا من منظور التحالف الذي يتم فيه تبادل الأدوار واختلاطها.
(4)
وقد عرف فتحي غانم الصحافة وعالمها، كما لم يعرفها سوى القلة من أمثاله، وتقلب في مناصبها، فقد ترأس تحرير مجلة «صباح الخير» من عام 1959 إلى عام 1966 ورأس مجلس إدارة وكالة أنباء الشرق الأوسط عام 1966، ورأس تحرير جريدة الجمهورية ما بين عامي 1966 و1971 كما ترأس تحرير جريدة روز اليوسف العريقة ما بين سنتي 1973 و1977.
وكلها مناصب ومسؤوليات تؤكد القدرة على إقامة علاقة ناجحة مع السلطة الناصرية والساداتية على السواء، خصوصاً في مفاصل تحولاتهما التي أدت إلى الهيمنة على الصحافة وتأميمها أو الاستيلاء عليها بلا فارق، إلى تغيرت الاتجاهات والتيارات التي اقترنت بها، خصوصا مع صعود جماعات الإسلام السياسي التي أدّت إلى ظهور التعصب الديني وصولا إلى موجات العنف والإرهاب التي استمرت منذ السبعينيات وحتى نهايات القرن.
وقد عالج فتحي غانم في رواياته المهمة «الرجل الذي فقد ظله»، و«زينب والعرش»، تحولات الصحافة من عصر الملكية إلى العصر الناصري.
أما روايته العلامة «الأفيال» فقد عالج فيها ظاهرة الإرهاب الديني، وكيفية تشكيل جماعاته وإعادة غسيل عقول الشباب المنجذب إليه لعوامل كثيرة، وقد عاود معالجة التطرف الديني في روايته المهمة «بنت من شبرا»، وذلك في موازاة دراسة شخصية الإرهابي السياسي وتقديمها تقديماً إبداعياً تحليلياً أصبح علامة على إبداع فتحي غانم الروائي وأولويات اهتماماته.. (وللحديث بقية)