قياس مستوى القلق لدى الحيوانات في غابات أفريقيا
السبت / 24 / صفر / 1448 هـ - 16:28 - السبت 8 أغسطس 2026 16:28
سان فرانسيسكو 'د ب أ': رغم الدخل الكبير الذي تدره سياحة الحياة البرية على الدول في مختلف أنحاء العالم، وفي أفريقيا على وجه الخصوص، ومع أهمية هذه الموارد في تمويل جهود الحفاظ على الأنواع الحية، لاسيما في المحميات الطبيعية في مختلف أنحاء القارة السمراء، يطرح بعض الباحثين في مجال علوم الحيوان تساؤلات بشأن انعكاسات التدفق السياحي المطرد على الحالة النفسية للحيوانات في الغابات الأفريقية، خاصة وأن السائحين الذين يتوافدون بالآلاف على هذه المناطق كل عام يطاردون الحيوانات البرية بالسيارات والكاميرات على اختلاف فصائلها وأنواعها؛ ما بين الزراف والأفيال والقرود وغيرها. وشارك الباحث بروس كروسي أستاذ علم الحيوان بجامعة بريتوريا بجنوب أفريقيا في مشروع بحثي لقياس مستوى القلق لدى الحيوانات سواء نتيجة حركة السياحة أو عوامل بيئية أخرى. ولا تقتصر هذه الدراسة الميدانية على مشاهدة الحيوانات وتسجيل ردود أفعالها، بل تمتد إلى تحليل معدلات هرمون القلق في فضلات هذه الحيوانات. ويقول بروس في تصريحات للموقع الإلكتروني The Conversation المتخصص في الأبحاث العلمية: إن هذه الدراسة تهدف إلى 'قياس تأثير النشاط السياحي على الحالة النفسية ومعدلات القلق لدى الحيوانات التي يتم مشاهدتها خلال رحلات السفاري مثل غزلان الإمبالا والحمر الوحشية وأبقار النو والزراف'.
وفي إطار الدراسة، جمع الفريق البحثي أكثر من 500 عينة من فضلات الحيوانات التي تعيش في محمية سومابولا الطبيعية في منطقة جاوتينج بجنوب أفريقيا، وقام الباحثون بمقارنة معدلات هرمون القلق في هذه الفضلات في ضوء عدد السائحين الذين يتوافدون على المحمية كل يوم. وحرص الباحثون أيضا على جمع العينات في مواسم الأمطار والجفاف للوقوف على مدى تأثير التغيرات المناخية والعوامل البيئية المختلفة مثل وفرة أو ندرة الغذاء على الحالة النفسية للحيوان، مع تقسيم العينات حسب أيام الأسبوع، حيث إن معدلات التدفق السياحي ترتفع خلال عطلات نهاية الأسبوع وتنخفض في وسط الأسبوع. وجدير بالذكر أن الحيوانات عادة ما تفرز هرمون القلق المعروف أيضا باسم 'الجلوكوكورتيكويدات' عندما تواجه الضواري التي تريد افتراسها أو عند التنافس على الغذاء أو أي مؤثرات خارجية تبعث على التوتر، وتنتقل هذه الهرمونات خلال تفاعلات الجسم المختلفة إلى فضلات الحيوان، وبالتالي يستطيع الباحثون عن طريق تحليل هذه العينات قياس معدلات القلق لدى الحيوان دون التسبب في أي إزعاج إضافي لها. ووجد الباحثون أن معدلات القلق لدى الحمر الوحشية وأبقار النو والزراف لا ترتفع مع زيادة التدفق السياحي، في حين أن القلق يتزايد لدى غزلان الإمبالا لاسيما في مواسم الجفاف.
وتوصل الباحثون إلى أن أكثر ما يثير قلق الحيوانات العشبية مثل الزراف والحمر الوحشية وأبقار النو هو التغيرات الطبيعية وليس السياحة، حيث إن تغير الفصول وتوفر المراعي يؤدي إلى تغير مستويات هرمون القلق لدى الحيوان أكثر من عدد مرتادي المحميات الطبيعية. ولاحظ الباحثون أيضا أن حجم الاستجابة يختلف من فصيلة لأخرى، حيث يتزايد قلق الغزلان خلال عطلات نهاية الأسبوع عندما يزيد عدد السائحين وفي مواسم الجفاف التي تتزامن مع ندرة الغذاء، أما أبقار النو على سبيل المثال، فيتزايد القلق لديها في موسم الأمطار، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنه الفترة التي تضع فيها معظم الإناث صغارها، وما يستتبع ذلك من مجهود بدني خلال عملية الإنجاب ثم رعاية الصغار بعد ذلك. ويتزايد قلق الحمر الوحشية في موسم الجفاف عندما يقل الغذاء ويتزايد التنافس على الموارد لاسيما في المحميات صغيرة المساحة المحاطة بالأسوار. وتبين من الدراسة أيضا أن الزراف لا يتأثر بتغير المواسم، ولكن إناث الزراف في العادة تكون أكثر قلقًا من الذكور، وبخاصة في مرحلة الحمل التي يزيد فيها إفراز هرمون القلق، حيث إن ذلك يساعد أنثى الزراف على تلبية الاحتياجات الغذائية اللازمة لنمو الجنين، وما يترتب على ذلك من مجهود بدني إضافي للأم.
وبشكل عام، أكدت الدراسة أن تغير مستوى القلق لدى الحيوانات في أفريقيا يرتبط بتباين إيقاع الحياة الطبيعية وليس بمعدلات التدفق السياحي، وأن هذه القاعدة تسري على جميع الفصائل باستثناء غزلان الإمبالا، حيث تلاحظ أن مستوى القلق لدى هذه الغزلان يرتفع بنسبة 57% خلال عطلات نهاية الأسبوع بالتزامن مع ارتفاع حجم الإقبال السياحي بواقع أربعة أمثال في عطلة نهاية الأسبوع لاسيما في مواسم الجفاف، وأن مستوى القلق لدى الإمبالا يتراجع خلال موسم الأمطار مع وفرة المياه وموارد الغذاء، وهو ما يدل على هذه الفصيلة من الغزلان تستطيع تحمل توافد السياح عندما تكون هناك وفرة في الغذاء حيث تتجنب حينئذ المناطق المكتظة، في حين أنها في موسم الجفاف تضطر للتوافد على برك المياه المزدحمة، مما يضعها على أماكن قريبة من السائحين، ويرفع مستويات القلق لديها. ويرى الباحث بروس كروسي أن هذه النتائج تكشف أن التدفق السياحي وعوامل الإجهاد البيئي لا تؤثر على الحيوان بمعزل عن بعضها، وأن تزامن العوامل البيئية والبشرية قد يدفع مستوى القلق لدى بعض الفصائل للارتفاع بمعدلات كبيرة، مضيفا أن هذه الدراسة تعتبر بمثابة درس مهم للمعنيين بحماية البيئة، حيث إنه لا توجد إجابة بسيطة لحجم تأثير السياحة على الفصائل الحية، وأن هذا التأثير يتوقف على فصيلة الحيوان وفصول السنة والظروف التي يعيش فيها كل حيوان على حدة.