الوشاية .. سموم قاتلة
الجمعة / 23 / صفر / 1448 هـ - 20:03 - الجمعة 7 أغسطس 2026 20:03
إذا كانت 'الفتنة' أشد من القتل، فإن 'الوشاية' ليست أقل ضررًا منها على الإنسان، وقد تقارن 'الوشاية' بفعل 'النميمة'، مع وضع بعض الرتوش لتكون التفرقة ما بين الجملة والأخرى في الشكل، لا في المضمون، فكلاهما يتحدان معًا في الهدف المقيت، ويسعيان جاهدين لإفساد ذات البين، وإحداث كل أنواع الفرقة والشقاق ما بين النفوس، لدرجة أن البعض ينقاد دون وعي لتصديق ما يقال له، سواء من 'الواشي أو النمام'.
وأمام هذا السيل الجارف من الحديث عن الآخرين، تنفجر كل شرايين القلوب غضبًا وحقدًا، لتسن كل سكاكين الفرقة، وتقطع العلاقات الإنسانية دون تيقن أو وجه حق، فقط انقيادًا مع ما قيل عن الغير، رغم أن الله تعالى يقول في سورة الحجرات: 'يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ'.
لذلك تُعد كل من 'الوشاية والنميمة' من الأفعال المحرمة في الكتاب، والسنة، والإجماع، وتُعدان من كبائر الذنوب التي يرتكبها الناس في حياتهم تجاه الآخرين.
وقد ورد في الواشي والنمام قول رباني في كتابه العزيز، عندما يقول تعالى في سورة القلم: 'وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ'.
من الملاحظ أن تربة العمل هي البيئة الأكثر خصوبة في زراعة 'الوشاية' بين الموظفين، وأكثر الأماكن قدرةً على إحداث الضرر في النفوس، كون أهداف الوشاية معروفة في هذا المكان، فإما من أجل التقرب ممن هم في المناصب العليا ونيل رضاهم بطرق الوشاية، أو من أجل إزاحة 'المخلصين في العمل' من طريقهم، لتبقى الأرض ممهدة أمامهم ليفعلوا ما يريدون.
والواشي يتعمد نقل الأخبار التي لا أساس لها من الصحة، مع علمه التام بأنه شخص 'كاذب'، وأنه يستغل أسرار الناس وكلامهم ليستخدمه سلاحًا ضدهم، ويدرك في قرارة نفسه بأن أغلب أقواله 'مزيفة وملفقة'، لكن في سبيل إلحاق الضرر بالشخص المبلغ ضده يتفانى في التلفيق وتشويه الوقائع، ولذلك فالواشي لا يؤتمن، ولا يصدق، ولا يرافق، فالخيانة في دمه.
والوشاية تقارن كفعل ذميم بـ'النميمة' -كما أسلفت سابقًا-، ومن المثير في الأمر أنهما أصبحا يبدوان كظاهرة اجتماعية لا يخلو أي من المجتمعات من وجودهما، ويرجع علماء الاجتماع انتشار هذا السلوك 'السيئ' إلى ضعف الشخصية لدى الواشي أو النمام، وانحدار تام في مستوى الثقة بالنفس، ونقص الكفاءة الذاتية من أجل إثبات نفسه بصورة مغايرة للحقيقة التي هو عليها، وفي ذات الوقت يكون الواشي بعيدًا أو عاجزًا عن منافسة الغير بالطرق الشريفة، لذا يلجأ إلى أسلوب الوشاية لينال من غيره دون اكتراث أو خوف من الله تعالى.
يجتمع العقلاء على أن الوشاية تعمل على إفساد النفوس، وتمزق أواصر الصداقة، وحتى العلاقات الاجتماعية، وتثير الشكوك والريبة ما بين الناس، وتحاول إيجاد مساحة واسعة من الضجيج الذي يتسبب في ظهور العداوات والخصومات، فلو أردنا جمع الآثار التي تسببها الوشاية، لوجدنا نقاطًا كثيرة، أبرزها أنها تشجع على انتشار الفساد والظلم المتعمد، خاصة عندما يستغل بعض الأشخاص 'الوشاية' لتحقيق مصالحهم الشخصية، لذا يتسبب هذا الفعل القبيح في زرع البغضاء والكراهية بين الناس، ويؤدي إلى انتشار واسع للصراعات والنزاعات والظلم.
وعلى أرض الواقع رأينا عن قرب كيف أن الوشاية قطعت من الأواصر، وفرقت القلوب، وهدمت جسور الود بسبب الواشين والساعين إلى الإفساد بين الناس، والمفرقين للجماعات والأحبة.
ومما سبق نصل إلى الحقيقة المتمثلة في أن الواشي يتزين بوجهين ليكون ضمن زمرة أشرار الناس، فيأتي هذا بوجه، وهذا بوجه، وينقل كلام هذا لذاك بقصد الإفساد بينهما دون خوف أو مراعاة لمبادئ إنسانية أو نهي ديني.
لا يهتم إلا بالأذية، فيتقول على شخص ما لم يقل، ولا يهدأ له بال، ولا يسكن له حال، إلا إذا قطع الأوصال -كما أشرت-، لذا اتفق الناس على أن الوشاية خلق ذميم وسلوك مشين، فكم تقطعت من أواصر بسبب الوشاة المفرقين بين الأحبة والأصدقاء والإخوان.