بريد القراء

جبل "إيفرست".. مقبرة مفتوحة أمام المتسلقين!

 

عندما كانت الطائرة تحلق على ارتفاع تجاوز ثلاثين ألف قدم، كنت للتو بدأت أشعر بالملل رغم أن الرحلة كانت في بدايتها، أغلب الركاب الذين لم يغز النعاس أجفانهم، كانوا يبحثون عن شيء ما يسليهم في رحلة تمتد عدة ساعات، لم أكن أرغب أن أكون بعيدا عن المجدين في رحلة البحث عن فيلم سينمائي يكسر جود الوقت.


لذا، شرعت في الانتقال من قائمة إلى أخرى في الشاشة المثبتة في الكرسي المسافر أمامي، حيرة الانتقاء طبيعية، فقائمة وسائل الترفيه عديدة، موسيقى وإذاعة ومسلسلات وأفلام بأنواعها، بعد بحث مضن وصلت أخيرا إلى قناعة بأن أخوض تجربة مشاهدة فيلم 'إفرست' الذي لم أسمع عنه من قبل، لكنّ إحساسي بأنه يستحق المشاهدة.


كذلك، لم أكن أتوقع بأن وراء هذا السعي للوصول إلى قمة جبل 'إيفرست'.. هناك قصص مؤلمة، وسر من أسرار البشر لا نعرف عنها الكثير ولكن مثل هذه الأفلام تعرفنا بأن وراء الأحداث ضحايا لم نسمع عنهم من قبل مثلما كنا نجهل قصة السفينة 'تايتنيك'.
بدأت بحماس المسافر نحو استكشاف عالم لم أعرفه من قرب، مر الوقت وانتهى الفيلم إلى قناعة بأن الاختيار كان موفقا على عكس بعض المرات التي أختار فيها فيلما لا أستطيع أن أكمله أو أشعر بالندم لسوء الاختيار.


بعيدا عن الفيلم وجدت أن 'جبل 'إيفرست' يحتل مكانة بارزة في أذهان عشاق الإثارة، فهناك رغبة أنسية نحو بلوغ قمة الجبل الجليدي الذي يعد أكبر مقبرة مفتوحة في العالم، وبحسب ما تم توثيقه فإن أكثر من ثلاث مائة وثلاثين متسلقا بقيت جثثهم متجمدة على ظهره وذلك بسبب أنه يعد منطقة للموت وصعوبة في الإنقاذ ومبعث ذلك ثلاثة أسباب حسب ما قرأت، أولها في الارتفاعات العالية يقل الأكسجين بشدة ثم يفقد المستلقون قدرتهم على التركيز ويعانون من الإرهاق الشديد، وبعض الأموات تصبح جثثهم علامة استرشادية واضحة تدل الآخرين على الطريق.


في إفريست تتجمد الأجساد وتظل سليمة لعقود من الزمن بسبب انخفاض الحرارة وعدم قدرة الكائنات الحية الدقيقة الوصول إلى الجثث من أجل المساعدة في تحللها بالكامل، لذا يمكن حفظ الجثث لآلاف السنين في مكانها.


فيلم 'إيفرست'.. يحكي قصة مجموعتين من المتسلقين يجتمعون على حب المغامرة ويربطهم وثاق التحدي والإصرار على بلوغ القمة، ولكن الوصول لن يكون سهلا عليهم خاصة مع هبوب عواصف ثلجية عاتية تؤثر على مسار رحلتهم، ومدى رؤيتهم للطريق، ومعاناتهم من داء المرتفعات العالية، ونقص في الأكسجين وغيرها من الصعوبات التي وقفت حاجزا أمام حلم بعض متسلقي 'جبل إيفرست'.


الفيلم -كما علمت - مبني على مأساة حقيقية، فقد توفي في الحادثة ثمانية أشخاص أثناء محاولتهم تسلق الجبل الشهير، وكتب العديد من المتسلقين الذين نجوا من العواصف الثلجية مذكرات عن تجربتهم على هذا الجبل الذي لا يزال رمزا خالدا للشغف البشري نحو بلوغ قمته.


جبل إيفرست واحدا من الجبال التي تتجه إليها أنظار المغامرين حول العالم منذ عشرات أو مئات السنين، ويخفي وراءه قصص 'الحياة والموت'، وتعلق في جوفه جثث المتوفين الذين لم يستطع العالم حتى اليوم إنزالها من على ظهره بسبب الصعوبات والمخاطر الجسيمة، لهذا يظل 'إيفرست مقبرة مفتوحة أمام الموتى من المتسلقين'.