ازدهار صادرات التوت الأزرق والبرتقال في إفريقيا
الجمعة / 23 / صفر / 1448 هـ - 15:08 - الجمعة 7 أغسطس 2026 15:08
' إنها خلية من النشاط،' يقول أليستر كامبل وهو يراقب المشهد في مزرعة التوت الأزرق التي يملكها على بعد 40 كيلومترا خارج العاصمة الموزمبيقية هراري (مُشَبِّها إيَّاها بخلية النحل). فالمئات من العمال منهمكون في قطف ثمار التوت من شجيراته قبل نقله إلى منشأة تبريد. وبعد الفرز يُشحن عن طريق الجو إلى شرق آسيا حيث يشتد الطلب على حباته الكبيرة أو يُنقل الى أوروبا لبيعه في المتاجر الكبرى.
يقول كامبل 'نحن نعمل بأقصى طاقتنا الانتاجية. ويمكننا بيع ما بين خمسة إلى ستة أضعاف ما ننتجه فعليا من محصولنا.'
هذه المرة، اللون الأزرق (فاكهة التوت) هو الذي يرتبط بازدهار الصادرات في زمبابوي وليس اللون الذهبي (معدن الذهب). ويتوقع المزارعون في هذا العام تصدير 12 ألف طن من التوت الأزرق أو ما يزيد بأربعين ضعفا عن صادراتهم منه في عام 2017.
يقول أحد أبرز مسئولي البنوك في زيمبابوي 'كل من هب ودب يزرع التوت الأزرق الآن.'
تحتوي ثمار التوت بالغة الضآلة على مغزى أعمق. لقد عانت الصناعة التحويلية في إفريقيا جنوب الصحراء. وظلت حصتها من الناتج الإجمالي ثابتة على نحو أو آخر طوال 15 عاما. يثير ذلك قلق المحللين الذين يعتقدون أن نمو الاقتصاد الإفريقي يعتمد على المصانع الموجَّهة للتصدير من النمط الآسيوي.
لكن مزارع التقنية الرفيعة في الواقع العملي 'مصانع صغيرة'. فهي كثيفة العمالة ومربوطة بسلاسل التوريد العالمية. ويمكن أن يكون ' تصنيع الطَزَاجة' هذا، بحسب تعبير الأكاديمي كريستوفر كريمر، نعمة لإفريقيا. ويُجبِر على إعادة التفكير في معنى الزراعة والصناعة التحويلية.
التاريخ الاقتصادي لإفريقيا جعل نظرة واضعي السياسات متذبذبة تجاه الصادرات الزراعية. ففي ظل الحكم الاستعماري صدَّرت بلدان عديدة محصولا واحدا فقط. وظل هذا النموذج قائما بعد الاستقلال. ففي الفترة من 1966 إلى 1973 كانت حوالي نصف البلدان الإفريقية جنوب الصحراء تقريبا تحصل على إيرادات صادراتها من سلعة وحيدة. وعندما هبطت الأسعار انهارت اقتصاداتها.
يفسر هذا 'الإرث' جزئيا سببَ تحويل الحكومات للموارد من المزارع الى المصانع.
لكن في السنوات الأخيرة تفاعلت الشركات الزراعية مع تصاعد الدخول العالمية وتزايد الطلب على المنتجات الزراعية الطازجة. ويذكر التقرير السنوي 'مرصد التجارة الزراعية في افريقيا' أن الفواكه والمكسرات تحولت الى أكبر صادر زراعي للقارة، متفوقة بذلك على الكاكاو، وذلك خلال معظم العقد الأخير الذي لدي المرصد بيانات عنه. وتراجعت حصص كل المحاصيل النقدية التقليدية مثل الكاكاو والقطن والتبغ والسكر.
لازالت افريقيا متخلفة عن أمريكا اللاتينية التي تبلغ قيمة ما تصدره من السلع الزراعية أربعة أضعاف عائد صادرات افريقيا الزراعية (بقيمة بلغت في المتوسط 341 بليون دولار سنويا في الفترة 2019-2023 مقارنة بحوالي 81 بليون دولار لإفريقيا). وكانت البيرو التي بالكاد صدرت التوت الأزرق في عام 2010 أكبر مصدِّر له في العالم بعد عشر سنوات لاحقا. لكن إذا أمكن لإفريقيا أن تتعلم من مثل قصص النجاحات هذه ستحصل على عوائد 'مثمرة'.
يرى دانييل هُلز رئيس صندوق الاستثمار 'آج ديف كو' أن التوت الأزرق ' مثال عظيم للزراعة كصناعة تقنية رفيعة.' فالشركة الزراعية الأمريكية العملاقة 'دريسكولز' تمدّ المزارعين في زيمبابوي ببذور هي نتاج سنوات من التهجين الطبيعي. وتحمي أغطية البولي إيثلين شجيرات التوت (من الطيور أو الحر أو الأمطار الغزيرة.) وتوجد بغرف التخزين ماكينات فرز بصري. ولتعظيم الأرباح تعمل الشركات على توقيت الإنتاج في الصيف وبعد انحسار الإمداد الأمريكي ولكن قبل انطلاق حصاد التوت في البيرو.
التوت الأزرق ليس المثال الوحيد لتصنيع 'الطزاجة' في إفريقيا. فاليوم تشكل كينيا واثيوبيا على التوالي 6% و2% من الانتاج العالمي من الزهور المقطوفة.
تستخدم المزارع ماكيناتٍ تتولى ضخ سحابة رقيقة من الماء لتلطيف الجو وتنقية الماء بالتناضح العكسي لسقي وتغذية الزهور وأيضا توجيه مصابيح الراديوم نحو البتلات لتجميلها والحفاظ على نضارتها.
زادت صادرات إفريقيا من الفواكه المدارية كالأفوكادو والمانجو والأناناس بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال العقد الماضي. وهذه أسرع وتيرة نمو لصادراتها قياسا بأية منطقة أخرى، حسب منظمة الزراعة والأغذية (الفاو) التابعة للأمم المتحدة.
في العام الماضي 'أكلت' أوروبا أكثر من مليون طن من الأفوكادو لأول مرة (ما يكافئ وزن 10 حاملة طائرات تقريبا). وحصلت على معظم وارداتها من المغرب وكينيا.
في مايو ولأول مرة حلَّت جنوب افريقيا محل اسبانيا كأكبر مصدِّر لثمار الحمضيات في العالم. فمنذ تخطيها النبيذ في عام 2010 ظلت الحمضيات (البرتقال واليوسفي) الصادر الزراعي الأغلى قيمة لجنوب افريقيا. ومؤخرا حققت لها عائدا يزيد عن عائداتها من صادرات الماس. ويمكن ردُّ بداية هذا النجاح الى عام 1997 وإلغاء مجالس التسويق التي تديرها الدولة. قبل ذلك كانت الحكومة تقسِّم ايرادات الصادر بين المزارعين. وبعد ذلك احتفظ كل مزارع بأرباحه الخاصة وحصل على حافز أكبر للاستثمار في محصوله. كما يؤكد خبراء التسويق الزراعي أيضا على دور رابطة مزارعي الحمضيات والتي تستخدم رسوما تحصل عليها من أعضائها المزارعين لإجراء أبحاث وللضغط من أجل سياسات أفضل ونشر المعرفة الفنية.
يبدو أن المنافع الخاصة التي ينسبها بعض خبراء الاقتصاد الى الصناعة التحويلية تنطبق على المزارع الذكية (التي تستخدم التقنيات الحديثة). فصادراتها تعزز الموازين التجارية. وهي توظف مئات العاملين. وتساعد بإيجاد منتجاتٍ وشركات أخرى على طول سلاسل التوريد. يقول وانديلي سيهولوبو خبير الاقتصاد الزراعي بجنوب افريقيا 'هذه شركات صناعة تحويلية ولوجستيات متكاملة.'
من جانبها، تقول جين ماينا رئيسة شركة 'فيرت' للفواكه الاستوائية في كينيا إنها اتجهت الى تصدير المأكولات المجففة. يعني هذا الاتجاه الجديد تقليل الهدر في كميات المانجو والأناناس التي يورِّدها أصحاب الحيازات الصغيرة مما يزيد من ربحية وإنتاجية المزارعين.
ويتم الآن استخدام مستودعات التبريد التي أنشئت في مطارات بلدان شرق افريقيا لشركات الزهور بواسطة مصدري الأعشاب والبقوليات والخضروات. كما قاد الاتجاه نحو زراعة التوت الأزرق في زمبابوي الى استخدام تطبيقات 'تقنية زراعية' تراقب ظروف الطقس والمحاصيل. وفي جنوب إفريقيا أدى ازدهار زراعة الحمضيات الى تأسيس عدة شركات أبحاث.
ما يؤسف له أن الطرق الرديئة والموانئ المزدحمة تجعل من الصعب توريد الفواكه بطريقة مثالية. فالمزارعون الأفارقة مثلهم مثل رصفائهم في بلدان عديدة يشكون من عدم كفاية الدعم السياسي. ولدى بعضهم الحق في ذلك. فعندما بدأ تصدير الزهور في إحدى البلدان الإفريقية وفرت الحكومة وقتها حراسا مسلحين للشاحنات التي تتجه الى المطار. أما الآن فيشكو المصدرون من قطع الطريق بواسطة عصابات مسلحة.
الأمر الجيد أن الأسواق التي يمكنها استقبال هذه الصادرات تفتح أبوابها. ففي مايو توقفت الصين عن فرض الرسوم الجمركية على معظم الواردات الافريقية. وفي يوليو أُرسِلت اليها أولي شحنات التوت الأزرق من زمبابوي. مع ذلك كثيرا ما يتضح أن الحواجز غير الجمركية كأنظمة سلامة الغذاء وصحة النبات أكثر تعقيدا. ويتطلب التعامل معها دبلوماسية منسقة وهيئات قطاعية متخصصة مثل رابطة مزارعي الحمضيات في جنوب افريقيا.
يشير نجاح توت زمبابوي وزهور كينيا وبرتقال جنوب افريقيا من بين صادرات زراعية أخرى الى وجود إمكانية هائلة للزراعة الإفريقية تؤهلها لكي تلعب الدور الذي كان من المتصوَّر ولفترة طويلة أن تلعبه الصناعة التحويلية.
لكن، لتعظيم 'ثمار' عملهم، على واضعي السياسات الافارقة المساهمة في ضمان تنافسية شركاتهم عالميا. وهذا وقت التفكير'الطازج.'