إشراقات

ماذا لو كانت للذنوب رائحة؟

 

منذ أيام وبينما كنت أتصفح ديوان أبي العتاهية، استوقفتني أبيات قليلة، لكنها حملت في طيّاتها فكرة كبيرة، وتساؤلا ظل يرافقني طويلا، يقول:
هَل لِمَطلوب بِذَنب
تَوبَةٌ مِنهُ نَصوحُ
كَيفَ إِصلاحُ قُلوب
إِنَّما هُنَّ قُروحُ
أَحسَنَ اللَهُ بِنا أَنَّ
الخَطايا لا تَفوحُ
فَإِذا المَستورُ مِنّا
بَينَ ثَوبَيهِ فُضوحُ
توقفت عند قوله: 'أحسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح'، ولم أستطع أن أمنع نفسي من سؤال أخذ يتردد في داخلي: ماذا لو كانت للمعاصي رائحة، لو كانت الذنوب تشم كما تشم الروائح، لما استطاع أحد أن يخفي معصيته، ولافتضح الناس في مجالسهم وطرقاتهم وأسواقهم، ولربما نفر الناس من بعضهم كما ينفرون من الجيفة، لكن من تمام رحمة الله بعباده أنه ستر الذنوب، فلم يجعل لها رائحة تدركها الأنوف، وإنما جعل لها آثارا تدركها القلوب، فتظهر آثارها عليه فيشعر الإنسان بضيق في صدره، ووحشة في قلبه وثقل عن الطاعة، وهي آثار قد تتركها المعصية إذا أصر صاحبها عليها ولم يبادر إلى التوبة، فالستر نعمة عظيمة لا يلتفت إليها كثير من الناس، فالله سبحانه ستر ذنوب العصاة عن أعين الخلق، وفتح لهم باب العودة إليه قبل أن يفضحهم بين الناس أو يلقوه بما اقترفت أيديهم، ولو كشف الله للناس ما خفي من عيوب بعضهم، لما بقيت مودة بين قريب وقريب، ولا صاحب وصاحب، ولكنها رحمة الله التي وسعت كل شيء.


والله لو كشف للناس ما يخفونه في صدورهم، أو أظهر كل زلة صدرت منهم، أو جعل الذنوب ترى على الوجوه كما ترى الألوان، لما استطاع إنسان أن يعيش مطمئنا بين الناس، ولتحولت الحياة إلى ساحة من الفضيحة والخجل والشماتة، ولكن الله سبحانه، برحمته التي وسعت كل شيء، جعل الستر لباسا لعباده، يستر به العيوب، ويؤخر به العقوبة، ويفتح من خلاله بابا واسعا للتوبة والرجوع، فهو يعلم ضعفه ويعلم أنه يزل، وأن نفسه قد تغلبه، وأن الشيطان لا يمل من إغوائه، ولذلك لم يجعل أول خطأ نهاية لحياته المجتمعية، ولم يجعل أول معصية سببا في سقوط صاحبها بين الناس، وإنما أمهله وستره وفتح له باب العودة إليه، وهذا من أعظم معاني الرحمة الإلهية، ولهذا كان من أسماء الله الحسنى 'الستير'، الذي يحب الستر ويستر عباده ولا يعاملهم بما يستحقونه من الفضيحة، وإنما بما يليق بسعة رحمته وحلمه، ولو عاملهم بعدله المجرد لانكشف من أحوال البشر ما تعجز النفوس عن احتماله، ولكن رحمته سبقت غضبه، وستره سبق افتضاح العبد، وهذا الحال عبرت عنه أبيات الشاعر العُماني أبو مسلم البهلاني في حال الستر وسعت الرحمة الإلهية بقوله:
بسوء الاختيار عصيت ربي
وتلك قضية منها أتوبُ
بصرت بزلتي سراً وجهراً
وسرك ليس تهتكه العيوبُ
برحمتك التي وسعت أصبني
فإنك من تشاء بها تصيبُ
ولعل الإنسان لا يدرك قيمة الستر إلا حين يرى من انكشف أمره أمام الناس، فالخطأ الذي كان يمكن أن يبقى بين العبد وربه، إذا خرج إلى العلن، قد يلازم صاحبه سنوات طويلة، وربما عاش عمره كله وهو يحاول التخلص من أثره، فالفضائح فتجد من يحييها كلما خمدت، والله برحمته قد شرع الستر لعباده، لأن صلاح المجتمع يبدأ بصلاح أفراده، والفرد هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع، فإذا هتكت أستار الناس وشهر بزلاتهم، تصدعت الثقة وانتشرت الفضيحة، وحلَّ اليأس محلَّ الأمل في الإصلاح، ولذلك ستر الله عباده، وفتح لهم باب التوبة، ليعودوا إلى الطريق المستقيم دون أن تتحول زلاتهم إلى وصمة تلاحقهم طوال حياتهم، فالستر حماية للمجتمع كله، وحفظٌ لبنيانه من أن يتداعى بسبب إشاعة العيوب والذنوب، وقد حذر الله من إشاعة الفاحشة في المجتمع فقال في حادثة الإفك: ' إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ'.


ومشكلة الإنسان أنه إذا طال عليه النعيم ألفه حتى يصبح وجوده أمرا عاديا في نظره، وهكذا يفعل الستر، يمضي العمر كله وهو يعيش في كنف هذه النعمة، حتى يظن أن ما يحيط به من احترام الناس وتقديرهم إنما هو ثمرة استحقاقه الكامل، وينسى أن جانبا كبيرا من تلك الصورة إنما حفظها الله بستره لا بكماله.


والمؤمن أكثر الناس حياء من ربه، لأنه يعلم أن الله لم يستره لعجز عن كشفه ولم يؤخر فضيحته لخفاء أمره، وإنما ستره رحمة به، وإمهالا له، وإعطاء لفرصة قد لا تتكرر، فإذا استشعر هذا المعنى تبدلت علاقته بالذنب كله، لم يعد ينظر إلى المعصية على أنها أمر مر وانتهى وإنما يراها دينا من الحياء في عنقه، يدفعه إلى كثرة الاستغفار، وإلى الصدق في التوبة، وإلى الخوف من أن يأتي يوم يرفع فيه هذا الستر.


وأخطر ما يواجه الإنسان أن يسيء فهم ستر الله عليه، فبعض الناس إذا تكررت معصيته ولم ير عقوبة عاجلة، ظن أنه بمنأى عن الحساب، أو أن ما يفعله هين لا يستحق المؤاخذة، وأن ستر الله ليس علامة رضا، وإنما باب مفتوح للعودة قبل أن يغلق، وفرصة للتوبة قبل أن تنقضي، ورحمة ينبغي أن تقابل بالشكر لا بالتمادي.


ومن أعظم آثار استشعار نعمة الستر أن تتغير نظرة الإنسان إلى الناس، فمن عرف مقدار ما ستره الله عليه، لم يتعجل في إدانة غيره ولم يفرح بزلة أخيه، ولم يجعل من أخطاء الآخرين مادة للحديث والتندر، لأنه يدرك في قرارة نفسه أن الفارق بينه وبين كثير ممن يلومهم في قلة الذنوب أو كثرتها، ولكن الله ستر هذا وكشف ذاك، وأمهل هذا وابتلى ذاك، وهذا ما عبر عنه الشافعي بقوله:
لِسانَكَ لا تَذكر بِهِ عَورَةَ امرِئ
فَكلكَ عَوراتٌ وَلِلنَّاسِ أَلسن
وَعَينكَ إِن أَبدَت إِلَيكَ مَعايِبا
فَصِنها وَقل يا عَين لِلنَّاسِ أَعين
فينبغي على المؤمن كلما رأى إنسانا وقع في خطأ، دعا له قبل أن يحكم عليه، وسأل الله الثبات قبل أن يلومه، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، ومن عير أخاه بذنب فقد يبتلى به قبل أن يموت، وما أكثر الذين كانوا ينظرون إلى غيرهم بعين التعالي، فلما دارت الأيام وجدوا أنفسهم في الموقف ذاته الذي كانوا يستهينون به، وليس معنى هذا أن يهون الذنب في النفوس، أو أن تختلط الموازين بين الحق والباطل، وإنما المقصود أن يبقى القلب ممتلئا بالرحمة، بعيدا عن القسوة، وأن يكون هدفه الإصلاح لا التشهير، والهداية لا الانتقام.


والشريعة تحث على ستر المسلم، ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: 'وَمَنْ سَتَرَ مسْلِما سَتَرَه الله فِي الدنْيَا وَالآخِرَةِ' وهي دعوة إلى أن لا يكون الإنسان مولعا بتتبع العورات ولا متشوفا إلى نشر الزلات، ولا باحثا عن عيوب الناس ليجعل منها حديث المجالس ومنشورات منصات التواصل، فقد أصبح كشف المستور في زماننا أسهل من أي وقت مضى، بضغطة زر تنتشر صورة أو مقطع، فتصل إلى آلاف الناس في دقائق معدودة، وربما كان الخطأ الذي وقع في لحظة غضب أو غفلة يلاحق صاحبه سنوات طويلة، لأن أحدا لم يراع حرمة الستر، ولم يقدر عواقب الفضيحة.


وينبغي أن يبقى الأمر واضحا حتى لا يساء فهم معنى الستر، فالستر فضيلة ما دام يحقق مصلحة شرعية، ولا يؤدي إلى ضياع حق، أو استمرار ظلم، أو تمكين معتد من الإضرار بالناس، فإذا تعلق الأمر بحقوق الآخرين، أو بجرائم تمس أمن المجتمع، أو باعتداء لا يندفع إلا بالإبلاغ عنه، فإن ذلك باب آخر تحكمه أحكام الشرع ومصالح الناس، ولا يصح أن يتخذ شعار الستر ذريعة لإخفاء الظلم أو حماية الظالم، والشريعة التي أمرت بالستر، هي نفسها التي أمرت بإقامة العدل، وحفظ الحقوق، ورد المظالم، وما أجمل الإسلام حين يضع كل قيمة في موضعها، فلا يطغى جانب على آخر، ولا تتحول الفضائل إلى وسائل لإهدار الحقوق.


ولعل في ختام أبيات أبو العتاهية عبرة لمن يعتبر فهو يقول:
نُح عَلى نَفسِكَ يا مِس
كينُ إِن كُنتَ تَنوحُ
لَتَموتَنَّ وَإِن عُمِّرتَ
ما عُمِّرَ نوحُ