ثقافة

إشكاليات الشكل والمضمون: كلّ ورحلته

تحسين يقين

 

للإنسان حياتان كخطّين يتوازيان حينا ويتقاطعان حينا آخر، وباستطاعة كلّ منّا تأمل هاتين الحياتين-الخطين. إنهما ببساطة الحياة العادية الماديّة التي نحياها، والحياة المعنوية التي تعبّر عن الحياة، أكانت قادمة من رؤية الذين نعيش بينهم، أو ممن يتم توثيقه نصّا أو غير ذلك من أشكال الأدب والفنون.

وعليه، فالإنسان منذ يعي على الحياة، يبدأ باختبار الحياة بنفسه، كما يبدأ بملاحظة اختبار الآخرين لها، ثم مع بدايات التعرّض للأدب والفنون، بدءا بترنيمة أمّ وحكاية ما قبل النوم، فإنّ تكوين الإنسان يبدأ بالتشكّل من كل هذه المصادر، أكانت من اختباره أو اختبارات آخرين.


حين صرتُ أتقبّل الأمور ولا أستغربها، أدركت أنّني كبرت، وحين خفّ انفعالي تجاه ما أرى، صرت أكثر فهما للأدب الساخر، فعرفت أنني كبرتُ أكثر. كان ذلك عندما دخلت الأربعينيات؛ فبالرغم مما مدّني الأدب والفكر من سعة صدر وعقل، والشعور العقلانيّ تجاه ما يستفزنا، إلّا أن اختبار الحياة أمر أساسيّ لا بدّ منه.


كانت اختباراتي كطفل وفتى للحياة من الكتب والدراما الإذاعية والتلفزيونية، أكثر من اختبارات الحياة نفسها، فصرتُ بما عرفته أنظر كزرقاء اليمامة الى ما نعيشه، نحن أبناء جيلي الفتيان والشباب، والكبار أيضا، لكنّ الحياة الفعلية بالطبع، وإن كان هناك تشابه بين الحياة والأدب والفن، فإنها لم تكن هي تماما تلك التي قرأنا عنها وشاهدناها على الشاشات وخشبات المسارح فيما بعد.


قلت لنفسي وقد وجدتي أكتب شيئا لم أعشه فعليا: اذهب يا فتى وعش الحياة، واستمر بالقراءة، والكتابة إن أحببت. كانت الخطوة الأولى هي الوعي على الحياة نفسها.
لم أدر أنه كان عليّ فعلا أن أستمر في اختبار الحياة ما دمت حيا، فكلّ عمر ووعيه، وخبرته، ثم ما يأتي من الكتب. ويدخل في نطاق ذلك تلقينا للأدب والفن حسب مراحلنا العمريّة.


كانت البداية من استغرابي لما بدأت أراه طفلا، من إيذاء الناس لبعضهم بعضا، بدءا بالأطفال الذين كنت فيهم ومعهم. ثم صارت كلمتا الخير والشرّ تصلان السّمع، وفد لامستا صدى طيبا، بما يلائم براءة طفل. لم تمض سوى سنوات، حتى صرت أشاهد إشكالية البشر في وجهات النظر تجاه ثنائية الخير والشر، بالاستناد الى المصلحة، و'لوي' النصوص لشرعنة الأفعال.


في ظل اختبار الحياة، أيام الدراسة الجامعية وما بعدها، صرت أدرك أن الناس يختارون أفعالهم، وبخاصة الكبار، فخف الاستغراب والانفعال، وصرت أكثر زهدا في النصح، لكنني لم أيأس، فكانت الكلمة طريقي ورسالتي.


ما أن تخرجت، حتى عدت لرسالة الغفران لأبي العلاء المعريّ، المؤلّفة في الربع الأول من القران الخامس الهجريّ. عدت إليها مختارا لا لأجل اختبار السنة النهائية، بل لما يخصّ اختباراتي في الحياة. كنت قد اقتنيت المجلّد الخاص بها؛ فقد كانت صراحة المعريّ صادمة لي، في رحلته، حين اكتشف أن ما كان يظن أنه سيجدهم في الجنّة وجدهم في النّار، ومن سيجدهم في الّنار وجدهم في الجنّة.


كنت قد احتفظت بالامتحان النهائي (الوحيد أصلا)، والذي كان أحد السؤالين فيه هو: تحدّث عن إشكاليات الشكل والمضمون في رسالة الغفران للمعريّ. وبالرغم من حصولي على علامة عالية وقتها، إلّا أنني بعد قراءتي الواعية الكاملة والهادئة لكتاب المعريّ، صرت أكثر إدراكا لمضمون الكتاب وللسؤال أكثر. بل رحت ألوم استاذنا الدكتور على صياغة السؤال الذي لا يناسب طلبة 'الليسانس'، بل يناسب ما فوقه؛ فلم نكن بهذا الوعي للسؤال ولا الجواب.


كانت البداية حين سافرتُ أول مرة، وتكرار التنقّل بين المكاتب الحكوميّة، حيث صرتُ أرى رموز الحكم، وتغيّر الصور والعملات. تشابهت النظم لديّ، انا الطالب الرومانسيّ القرويّ، فصارت لديّ قناعة ما زلت أعيشها، بأن شرعية النظم تأتي من خلال رعاية البشر، وإيجاد حلول لمشاكلهم ونزاعاتهم، بما يضمن العيش المسالم والكريم.


هي إذن منظومة النفس والجماعة والنظم الاجتماعيّة والسياسيّة والعلاقات الدوليّة، ومن هنا لم تعُد الرواية عندي أو الفيلم مجرّد قصة حبّ أو حبكة بوليسية، بل صارت منظومات حياة.


وصرت أرى في الرواية والقصة والفيلم والمسرحية ما اختبرته من حياة وليس من ثقافة فقط، بل صار الوعي على الحياة ونحن نخطو في الثلاثينيات، هو محرّك الكتابة الشغوفة التي أقبلت عليها مختارا، لا كواجب دراسيّ. هي الرسالة إذن كي لا ننطفئ.


ولأنني قد ركزت في كتابتي النقدية على 'التحولات'، التي تذكرني برومانسيتي البريئة عن ثنائية الخير والشرّ في الطفولة وأول الشباب، فقد رحت أطّلع على تاريخ الأدب ثانية، ولأقراء شيئا عن تاريخ الفن كذلك، وخلال ذلك تأمّلت ما واكب الأدب العربي على مدار 16 قرنا من آراء نقدية، وهنا وجدتني كأنني في رحلة نور، قادتني إلى أن الإنسان المعاصر هو نفسه الإنسان عبر القرون، وأن الجوهر واحد، ومتشابه في العمق، أما الاختلاف فهو في الشكل وأسلوب الحياة. لهذا، فهمت المعنى الفقهي في قياس الغائب على الشاهد، أي قياس الماضي على الحاضر، وكذلك الحاضر على الماضي.


في بداية الأربعين كنت، حين صرت أفهم النفس أكثر، والمحيط الاجتماعيّ، مستمرّا في قراءة السرديات، وصولا إلى تقبّل تغيّرات الناس، تجاه ما يحدث بما يتعلّق بمصالحهم، وصولا الى النظرة الساخرة وتفهّم معنى أن الكوميديا هي آخر مرحلة يمكن أن تصلها الإنسانيّة.


لدى كل منا رحلته، أكان أبو العلاء المعريّ، أو دانتي الذي جاء بعد وتأثر به كما يقول علماء الأدب المقارن، ولكن لعلّ هناك توارد الخواطر والأفكار والمشاعر التي تنطلق من جوهر الإنسان في كلّ زمان ومكان.


والجامع في رحلاتنا في أنفسنا والحياة والأدب والفن والحكم، هو الإنسان، الذي استخلفه الله عزّ وجلّ، وهي رحلة تبدأ في الإنسان من طفولته، ثم يكبر وتكبر خلاصاته، ولكنه في مرحلة منها يبدأ بالتعرّف على المعرفة، لينطلق مما انتهى إليه السابقون، ليتأمله ويبني عليه.


إن من يفكّر فعلا، سيقوده تفكيره إلى أن الخلاص العام والشخصي يمكن أن يلتقيا، ما يعني طريق إزالة الشرور أو التخفيف منها. وثمة لذلك تجليات في مضامين الأدب الفن بأن تكون باتجاهات إنسانية. إنها رحلتنا في الحياة والأدب والفن، والنقد بما يكشف ويضيء.


عبارة 'إشكاليات الشكل والمضمون'، أو اختصار 'الشكل والمضمون'، لا تقودني فقط نحو تذكّر دراسة الأدب، لأنها أصلا مستمرة كما الحياة، بل تقودنا دوما إلى داخل كلّ واحد منا وفينا، فلا انفعال ولا استغراب تجاه ما نعرفه من طبيعة البشر، ولكنّه الفهم والتعبير عنه في الأدب والفن، باتجاه الخير والعدل. وهنا يأتي دور الناقد والقارئ والإنسان بشكل عام في تأمّل ما وصله من مضمون، وكيف تجلى هذا المضمون في مقترح الثوب الجماليّ أي الشكل واللغة. كلّ منا وما يصل من رسائل كي نرى الحياة، ونغيّر ما بأنفسنا، عندها فإن محصلة التغيرات في النفوس تقود لتغيّر في الحياة.


تلك هي الرسالة السامية.
الأدب من الحياة، لذلك تقودنا الحياة له، لنتأمل حياتنا، ثم لنظلّ ما عشنا متنقلين بين الحياة والتعبير عنها، ليأتي بعدنا ليختبر ما اختبرنا في الحياة والأدب والفن وأدبيات البشر جميعها.