بريد القراء

كيف يفهم الخلق أقدار الخالق؟

 

قال الله تعالى في سورة العنكبوت: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) صدق الله العظيم.


لقد خلق الله تعالى الإنس والجن لغاية سامية وهدف محدد واضح وهو عبادته سبحانه، وذلك تأكيدًا لقوله تعالى في سورة الذاريات 'وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ'، ولتحقيق هذا الهدف أو هذه الغاية جعل الخالق الحياة الدنيا وما فيها من تفاصيل كثيرة 'اختبارا للعبد'، ولهذا أنزل الله تعالى الأقدار لتكون شاهدة على مسار العباد واختياراتهم في الحياة ومدى قدرتهم على الصبر في الشدائد والمحن.


إن أقدار الله تعالى حقيقة حتمية لا مفر منها منذ الأزل، وكل الأمم المتعاقبة قد مرت بهذه الاختبارات الدنيوية، والأقدار التي ينزلها الله تعالى لعباده مختلفة ومتنوعة؛ منها ما هي اختبارات وأقدار في الصحة، أو الرزق، أو الولد، وحتى في الدين.


أحيانا تبتسم الحياة أمام الإنسان، وهذا الانبساط النفسي يأتي على هيئة توسعة في الأرزاق، وتوفيق في الأعمال، سعادة في المال والولد، وأمام هذه النعم العظيمة تفيض نفس العبد الصالح بالسعادة من كل جانب كالماء الصافي الذي يجري بسهولة ويسر في جداول الحياة.


ومن الأقدار ما هو 'انقباض وتضييق' في الحياة حتى يكاد يشعر الفرد فيها كأنه يختنق من دخان الوجع والألم حتى أنه يرى الحياة قد أوصدت أبوابها في وجهه، هذا أمر طبيعي يواجهه البشر في دنياهم.


وفي الأمرين السابقين كليهما نجد أن المؤمن وحده هو من يفهم بأن هذه الأقدار -بانبساطها وانقباضها- ما هي إلا اختبار حقيقي من الخالق للخلق على الأرض، وهو وحده مسيِر الكون ومقسم الأرزاق بين العباد، ويعلم ما ينفعهم ويضرهم، وفي أي وقت تجده يبسط الدروب ثم يقبضها بأمره سبحانه ليجزي كل نفس ما عملت وتحملت في سبيل رضاه سبحانه.


وعلى الإنسان أن يستخرج الحكمة من هذه الأقدار، وأن يكون مؤمنا بقضاء الله تعالى وقدره، فهما متعمقا ومتعقلا في كل الأبعاد التي أرادها الله تعالى له؛ فالخالق لا يريد بهذه الأقدار أن يشق على الخلق، وإنما هي كلها في باطنها خير لهم في الدنيا والآخرة، وإن كان بعض الأقدار ما هو مثقِل على كاهله مثل: ابتلاءات المرض، أو قلة الرزق وضيق الحال، أو ابتلاء في ولد عاق، أو فقدان لعزيز أو قريب وغيرها من الأمور الحياتية المختلفة التي تختبر مدى عمق الإيمان بالله والصبر على ما ابتلاءات لنيل الثواب العظيم، 'لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت'.


إن الإنسان الذي يكون قريبا من الخالق سبحانه يستطيع أن يفهم ويتقبل تقلبات الحياة من حوله فالقرآن الكريم يعج بالآيات البينات التي توضح معنى كل قول وحادثة تمر على الإنسان في دنياه، ففي سورة القمر يقول تعالى: 'إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ' وفي سورة الطلاق 'إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ' صدق الله العظيم.


والإنسان العاقل الفاهم الواعي يدرك تماما بأنه لا يمكن أن يعيش جل حياته في انبساط عيش بلا اختبارات وأقدار، فهذا مفهوم يخالف الفهم الصحيح لمسار الحياة الذي استقر في نفسه؛ إذ ليس هناك ضيق وكدر مستمر، فالحياة بين يسر وعسر، وهذا ما أوضحه الله تعالى لنا من خلال كتابه العزيز، قال تعالى: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) صدق الله العظيم.