"سدو".. ليلة موسيقية تستدعي ذاكرة الفن الخليجي الأصيل
الخميس / 22 / صفر / 1448 هـ - 12:02 - الخميس 6 أغسطس 2026 12:02
كتب – عامر بن عبدالله الأنصاري
قبل أكثر من شهر من الآن، مرَّ عليَّ منشور لحفلة موسيقية بعنوان 'سدو.. كلاسيكيات خليجية' يجتمع فيه بشكل مبدئي الفنان الموسيقي فيصل الشبلي، والفنانة الموسيقية والمسرحية تاج نور البلوشي، أو هكذا كما ظهرا في المنشور. كان للاسمين وقع خاص في نفسي، ففيصل الشبلي أعرفه موسيقيًا فذًا، يلقبه الوسط الفني بالمايسترو، وهو بحق يستحق هذا اللقب، إذ طالما قاد فرقًا موسيقية في مناسبات عديدة، وأذكر منها قيادته للفرقة الموسيقية التصويرية في العمل المسرحي 'مسارات الحب والحرب' لفرقة تواصل المسرحية في مهرجان المسرح العماني الثامن، إذ تولى زمام قيادة فرقة مكونة من 40 عازفًا على مختلف الآلات الموسيقية، فما كان منه إلا أن صنع عملًا موسيقيًا باذخ الإتقان والجمال، عمَّق من حكاية العمل الرائعة كذلك، كما اعتلى خشبة مسرح دار الأوبرا السلطانية في أكثر من مناسبة، مقدمًا مهاراته العالية عازفًا على العود.
أما الفنانة الموسيقية والمسرحية تاج نور، فهي اسم ارتبط بالموسيقى والمسرح، وعُرفت عازفة على مختلف الآلات الموسيقية بروعة وإحساس كبيرين، واضعةً لنفسها مكانًا مرموقًا في ساحة الموسيقيين العمانيين، ولطالما كانت حديث الساحة في أوساط التواصل الاجتماعي بأعمالها التي تلامس الجمهور وموسيقاها المتقنة، فهي فنانة لا تقدم إلا ما يليق بها وبالجمهور.
هذا الانطباع عنهما قادني، مدفوعًا بفضولي الجامح وحماسي الكبير، إلى مراسلة صديقين لي أعرف شغفهما بالموسيقى، لأن نحجز مقاعدنا لتلك الحفلة قبل أن تنفد التذاكر، فيقيني أن مجرد حضور فيصل وتاج في حفل موسيقي كفيل بأن نقضي وقتًا رائعًا برفقة الموسيقى، آخذين لأنفسنا فسحة من ضغوط العمل والحياة وحر الصيف، إن جاز لي التعبير، كما كنت خائفًا من أن تنفد التذاكر ونفقد فرصة نادرة، فأين هي الحفلات الموسيقية!
لأتفاجأ بصديقيَّ قد أرسلا لي في اليوم التالي مباشرةً، بعد حجز التذاكر، بينما أمارس رياضة المشي بشاطئ القرم 'مرحبًا عامر.. متى نلتقي لنذهب إلى الحفل؟'. كان ذلك في الخامس من يوليو الماضي، فقد ظنا بأن الحفل في نفس اليوم، وكان ردي حينها مقرونًا بوجه ضاحك: 'بعد شهر من الآن!'، وكلاهما مستغربٌ لحماسي، فالحفل بعد شهر، لماذا حجزنا الآن!
هذا الحماس الذي كنت فيه لم يخيب ظني، وظن صديقي، بل والجمهور الغفير الحاضر، ففي مساء أمس، الأربعاء الخامس من أغسطس الجاري، أقيمت الحفلة المنتظرة، التي احتضنها مسرح كلية الدراسات المصرفية والمالية، حفلة أعادتنا إلى الزمن الجميل والأغنيات الخليجية الكلاسيكية التي حفظناها صغارًا وارتبطت بذكرياتنا الجميلة. انطلقت الفرقة بقيادة فيصل الشبلي إلى أعماق الفن النابع من أرض الخير، سلطنة عمان، لتنساب عذوبة ألحان أغنية الفنان الراحل سالم علي سعيد 'المسافر'، وكأن الموسيقى تستنطق الكلمات وعذوبتها، آخذةً الجمهور إلى فضاءات بعيدة نحو الذاكرة الجمعية، ومنها إلى استحضار الصوت الجريح الراحل عبدالكريم عبدالقادر، عازفين ألحان 'رد الزيارة'. وكان لمحبي الراحل علي بحر مساحتهم الواسعة من الإحساس، فلمس لحن أغنية 'البارحة' وجدانهم العميق ووجدان الجميع بلا شك، وهكذا استدعت الفرقة الرائعة بحة صوت الفنان الكبير عبادي الجوهر حينما عزفت ألحان 'سكة طويلة'، ليكون الختام مسكًا في جزء الحفلة الأولى باستذكار العملاق محمد عبده بأغنيته 'كل ما نسنس)'، وفي هذا الجزء برعت الموسيقى الشجية الخالصة قبل أن نتفاجأ بالجزء الثاني.
ربما لم تكن الحفلة مجزأة كما ذكرت، إلا أنني رأيتها كذلك، لأنها حملت ثلاث علامات ميزت كل مجموعة من الوصلات عن الأخرى. ففي مجموعة الوصلات الثانية كانت المفاجأة بدخول كورال جمع عددًا من الشباب والفتيات، ليضفوا على الحفل الموسيقي بعدًا آخر زاد من روعة الموسيقى، بداية بأغنية الفنان ميحد حمد 'طير الحمامي'، التي كشفت عن أصوات رائعة أسرت الجمهور، ومنها إلى السندباد راشد الماجد وأغنية 'غير الناس'، وتلبية لرغبة عشاق الكلاسيكيات الخليجية حضرت المساحة الرحبة للفنان الراحل أبوبكر سالم بأغنية 'امتى أنا أشوفك'، ثم إلى جرعة من الإحساس بغناء 'بودعك' للفنان حسين الجسمي، التي كانت ختام الجزء الثاني.
وفي الجزء الثالث والأخير، كانت أنظار الفرقة تتجه نحو الجمهور، ليكون شريكًا في هذا الحفل البهي من خلال الغناء مع الفرقة، لأتفاجأ كذلك في هذه الليلة المليئة بالمفاجآت بصوت عماني كان من بين الفرقة، انساب صوته عذوبة وإحساسًا، محاولًا دفع الجمهور إلى الغناء، لأسأل صديقي محمد البلوشي 'من الذي يغني ؟'، فبادرني 'ربما الصوت تسجيلًا لدفع الجمهور نحو الغناء'. فما إن ركزت إلا وعازف الإيقاع 'طارق الراس' قد أطلق عنان صوته الجميل، وبوحه ذا البحة الآسرة. تمنيت لو كان هو الصوت بذاته جزءًا منفصلًا من أجزاء الحفل، ولا زلت أتمنى أن يستثمر هذا الصوت في الحفلات القادمة، ليقف أمام الجمهور، مشنفًا آذانهم وملامسًا إحساسهم.
بدأ الجزء الثالث بأغنية الفنان عبدالمجيد عبدالله 'يا بعدهم كلهم'، ومنها إلى ما اشتهر به الفنان عباس إبراهيم 'ناديت والليل'، مسافرين نحو الإحساس العميق لفنان طلال سلامة 'راضيناك'، وختامًا باشتعال المسرح مع أغنية الفنان الكبير عبدالله رويشد 'ما في أحد مرتاح'، إلا أن الجمهور طالب بوصلة أخيرة، فانتهت الحفلة كما بدأت بـ'المسافر' للراحل سالم علي سعيد، لتأخذنا الحفلة الموسيقية من محطة انطلقت من أرض سلطنة عمان، وعادت إليها من جديد بعد رحلة جابت دول الخليج وغاصت في كلاسيكياتها الفنية الرفيعة.
وقد أقيمت الحفلة الموسيقية بتنظيم من فرقة تواصل المسرحية، وشركة إيفينتات، وشركة زمكان، ومركز نوتة، ورويل ايجنسي، وشارك في الحفل كل من العازفين بقيادة فيصل الشبلي على آلة العود، بدر الراس وطارق الراس على الإيقاع، تيمور الندابي على الدرامز، ومحسن المشيفري على الوكنترباص، وبشرى العبري على القانون، وجهاد هلال على الناي، وناصر السيابي على الكمان، وتاج نور على البيانو.
أما الرائعون في الكورال فقد كانوا خميس الفارسي، منصور الجابري، أحمد السناني، محمود الزدجالي، عبدالعزيز العريمي، مرتضى العجمي، اسماعيل النبهاني، وجاسم السليمي.
والفتيات فهن شهد الهاشمي، نورة الرحبي، ميساء العميري، استبرق العميري، آية البلوشي، وفاطمة الضبعوني.
وقد شكلت تلك المجموعة الرائعة من العازفين والكورال والمنظمين أمسية فنية رائعة، جديرة بأن تكون عصية على النسيان.