أتوسل إليكم: لا تستعينوا بالذكاء الاصطناعي في الكتابة
ترجمة: أحمد شافعي
الأربعاء / 21 / صفر / 1448 هـ - 22:12 - الأربعاء 5 أغسطس 2026 22:12
ليست هذه مقالة حجاجية ولكنها مناشدة: لا تستعينوا بالذكاء الاصطناعي أبدا في الكتابة. لا تسمحوا للذكاء الاصطناعي بأن يكتب لكم.
لا تستعملوه في كتابة البحوث المدرسية، أو مذكرات العمل، أو رسائلكم إلى أصهاركم، أو خطبكم التي تلقونها في اجتماعات الشركات، أو في الرسائل الإلكترونية (مهما كانت بسيطة) الموجهة إلى زملائكم وأصدقائكم. لا تجعلوه ينظم لكم ملاحظاتكم. ولا تسمحوا له باقتراح جملة افتتاحية أو جملة انتقالية أو فقرة ختامية. لا تطلبوا منه أن يكتب لكم المسودة الأولى متصورين أن تحرير تلك المسودة بعد ذلك سوف يجعلها بشكل ما من نتاجكم أنتم، لأن هذا غير صحيح.
لا تفعلوا شيئا من هذا كله؛ لأنه كله غير أخلاقي. والكتابة باستعمال الذكاء الاصطناعي غير أخلاقية حينما تكون خداعا: حينما تنقلون كلمات وأفكارا ومعلومات باعتبارها لكم وهي ليست كذلك. وهذه مشكلة قد يحلها إلى حد كبير الاعتراف بها. ولا تفعلوا شيئا من هذا كله أيضا؛ لأنكم قد تكونون قادرين على تعلم الكتابة بشكل أفضل مما يقدر عليه الذكاء الاصطناعي. ولكنكم عما قريب للغاية لن تكونوا قادرين على هذا، إن لم يكن هذا قد حدث بالفعل، تماما كما أنكم لا تستطيعون الآن أن تتفوقوا في السرعة على سيارة أو أن تلحقوا الهزيمة بتطبيق في الشطرنج.
مشكلة الكتابة بالذكاء الاصطناعي هي أنها توهن العقل، فهي بمقام مصعد كهربائي إلى نتيجة في الوقت الذي يلزم المرء فيه أن يوطن في نفسه عادة يومية على استعمال الدرج. ومع شيوع هذه الكتابة، فإنها لا تقوض فقط قدرتكم الفردية على الكتابة، ولكنها تقوض أيضا قدرة المجتمع الجماعية على الاحتكام إلى العقل، والقدرة الكامنة في كل ثقافة على إبداع السبب الذي يدعو كل شخص إلى الاكتراث. ونحن الآن بالفعل نتأمل انحدارا مؤكدا وموثقا في القراءة، والذكاء الاصطناعي يعجل بانحدار الكتابة، ويمضي بنا أكثر فأكثر إلى ما أطلقت عليه روز هوروفيتش في مجلة ذي أطلنطيك بعصر «ما بعد إجادة القراءة والكتابة».
ما الذي تنفرد الكتابة بفعله؟ هي تجبرنا على التفكير. وتجبرنا على التفكير بطرق نادرا ما يقدر عليه التأمل الصامت أو اللغة المنطوقة. تجبرنا على إخضاع تفكيرنا لجهد الصياغة، وصرامة النحو، واختبارات الوضوح والتماسك، وتدقيق الآخرين. وهي إذ تفعل ذلك، تلزمنا أيضا بأن نتحلى بالوضوح والمنطق والدقة، وأن نخضع للمحاسبة. وقد يسهل على الناس أن يغفروا كلمة تقال في ساعة غضب لكنهم لا يغفرون بسهولة كلمة تكتب في غضب، وذلك تحديدا بسبب كتابتها تعني أنها نتاج تدبر.
والكلمة ابنة التدبر لها شأنها، فلها قوة باقية وثقل أخلاقي. ومما يجري على ألسننا قولنا إننا «نريد هذا الكلام مكتوبا»، وليس ذلك فقط لكي لا يكون من خطأ في الكلمات الدقيقة التي يجري الاتفاق عليها ولكنه أيضا برهان على أن الكلمات ذات معنى في المقام الأول.
لكن ماذا يكون من أمر الكلمات عندما لا تكون نتاج تدبر لأن كتابتها تمت على يد آلة أو بعون منها؟
تصبح الكلمات جوفاء. تخيلوا والد عروس يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي ليساعده على كتابة النخب الذي سيلقيه في عرس ابنته: فما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يوفره من البلاغة يخصمه من الجهد ومن الأصالة. فتخيلوا الآن عروس تعرف أن كلمة أبيها مكتوبة عن طريق الذكاء الاصطناعي: ألن يكون من حقها أن تشعر بالإحباط، ما لم يكن بالإهانة؟
قد يذهب كثير من الناس إلى وجود فارق كبير بين استعمال الذكاء الاصطناعي في شيء مهم وشخصي بقدر خطبة العرس وبين استعماله في مهام كتابية كثيرا ما تكون مضجرة ومنهكة من قبيل المذكرات المكتبية الروتينية. لكن عضلات التفكير التي تستعمل في الكتابة اليومية هي نفسها العضلات التي تستعمل في الكتابة ذات الشأن. ونحن نصبح كتابا أفضل من خلال الجهد المستمر الذي تستوجبه الكتابات العادية. ونصبح أفضل تفكيرا بالاستثمار في هذه الكتابة، وهذه درجة من الاهتمام لن نوفرها قط لو أننا عهدنا بالمهمة إلى الذكاء الاصطناعي. ونحن نصبح أكثر إبداعا حينما نتعلم كيف نضع بصمتنا الشخصية حتى في الأمور الروتينية، فنجعلها خاصة بنا على نحو لا يمكن إخطاؤه.
هذه المهارات تتبدد الآن. فقد توصل فحص حديث لمائة رسالة دكتوراه باستعمال تكنولوجيا التحقق من الذكاء الاصطناعي إلى أن 56% منها تحتوي على «أكثر من قدر ضئيل» من الكتابة المولدة بالذكاء الاصطناعي وأن 19% منها تحتوي نصوصها على «أكثر من 50% بالمائة من الكتابة المولدة بالذكاء الاصطناعي». وثمة حكايات تتردد على ألسن أساتذة جامعيين عن جهودهم للوقوف في وجه طوفان البحوث الطلابية المولدة من خلال الذكاء الاصطناعي، وهي حكايات فيها حس محاولة منع كارثة من الوقوع. من السهل أن نتعامل مع المشكلة باعتبارها محض غش، لولا أن الغش لا يقبض على النطاق الحقيقي لخطر الذكاء الاصطناعي، وهذا الخطر لا يقتصر على النزاهة الأكاديمية أو التجمل الشخصي وإنما يمتد أيضا إلى الحكم الذاتي الديمقراطي.
معروف تماما أمر العلاقة بين اتساع نطاق قاعدة مجيدي القراءة والكتابة وبين صعود الديمقراطية، فالقادرون على القراءة والكتابة بأنفسهم هم الذين كانوا تاريخيا قادرين على الاختيار بأنفسهم والدفاع عن اختياراتهم. فماذا يكون من أمرنا حينما يحدث العكس؟ حينما يفتقر الناس إلى الصبر لازم لاستيعاب الحجج إن طالت إلى صفحات قليلة أو جمل طويلة؟ حينما يفتقرون إلى القدرة على تفنيد هذه الحجج لأنهم لم يصقلوا مهاراتهم قط، من خلال الممارسة اليومية، ومهارة التفكير الواضح وهي من أهم المهارات؟
إننا نطلع بالفعل على لمحة مما قد يكون عليه هذا العالم في منشورات الرئيس ترامب عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها الواضح على عشرات الملايين من الأمريكيين. ولكن هذا ليس إلا انعكاسا لما كان عليه بلدنا قبل عقد من الزمن، في عصر ما قبل الذكاء الاصطناعي. فإلى أي مدى تقدمنا على الدرب، وقد تقلصت قدرتنا على القراءة والكتابة والتفكير؟
في المرة القادمة التي يغويك فيها أن تتبنى ردا آليا على رسالة نصية أو رسالة إلكترونية، لا تستسلم للغواية. اكتب ردا يكون ردك أنت. فكر فيه باعتباره من أعمال الإرادة الحرة، أو باعتباره تصويتا ضد ترامب. فما يستغرق منك ثواني معدودات إن هو إلا فعل مقاومة لعالم لا يكف عن الإمعان في الغباء.