خمسة أولم يحاكمون لتعطيلهم آلة الإبادة
الأربعاء / 21 / صفر / 1448 هـ - 20:34 - الأربعاء 5 أغسطس 2026 20:34
في سبتمبر 2025 اقتحم خمسة نشطاء فرع شركة إلبيت سستمز (Elbit Systems) في مدينة أولم الألمانية. إلبيت هي شركة تكنولوجيا عسكرية إسرائيلية. تُصنع الشركة طائرات بدون طيار ومعدات اتصال تُستخدم في مراقبة وضرب الفلسطينيين. تسبب الناشطون في تعطيل معدات تصنيع الأسلحة (الدرونز تحديدا) التي تُمكن جيش الاحتلال من مواصلة جرائمه بفاعلية. قدرت الأضرار بحوالي مليون يورو. هذا التدخل هو من المبادرات القليلة التي نجحت في إحداث ضرر مباشر أو تعطيل فعلي في آلة الإبادة على الأراضي الألمانية.
وثقت الكاميرات (وفق الفيديوهات المتداولة) اقتحام الخمسة للشركة، تحطيمهم الحواسيب وغيرها من المعدات الإلكترونية، وكتابة شعارات على الحيطان.
لم يقاوم أي من الخمسة - دانيال تاتلو-ديفالي (أيرلندا)، وزو هايلو (المملكة المتحدة)، وكرو تريكس (المملكة المتحدة)، وفي كوفارباسيتش (ألمانيا)، ولياندرا رولو (إسبانيا-الأرجنتين) - الاعتقال، بقوا في أماكنهم حتى وصول السلطات.
وُجهت للمجموعة تهم التعدي وتخريب الممتلكات، العضوية في منظمة إجرامية (فلسطين أكشن)، واستخدام رموز منظمة إرهابية. حُبس المتهمون فردياً، وإن أُدينوا (وهو ما يبدو أنه سيحدث) فسيحكم عليهم بالسجن لسنوات.
تستخدم منظمة فلسطين أكشن تكتيكات التدخل المباشر لتعطيل صناعة وتجارة الأسلحة. وهي منظمة نشطة (خصوصاً في بريطانيا) منذ 2020، تأسست على يد هدى عموري، التي نشطت - وما تزال - في حركة المقاطعة الدولية وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS).
ورغم أن المحكمة العليا البريطانية قضت أخيراً بعدم قانونية الحظر الذي فُرض على فلسطين أكشن وفق قوانين مكافحة الإرهاب، إلا أن ألمانيا تعدها منظمة إجرامية. يتوسع القضاء الألماني في السنوات الأخيرة في ضم حركات الاحتجاج تحت تصنيف المنظمات الإجرامية. حتى حركات حماية المناخ لم تسلم من هذا التصنيف التعسفي. لفتت منظمة العفو الدولية الانتباه بأن النيابة العامة الألمانية تُسيء استخدام هذا القانون. لكن محاكمة خمسة أولم تكشف فوق ذلك عن انحياز المحكمة وتعنت القضاء.
بدأت في أبريل من هذا العام جلسات المحاكمة في ظل إجراءات صارمة وحراسة أمنية مشددة.
أواخر الشهر الفائت، حضر وفد يضم سبعة برلمانيين أيرلنديين محاكمة المواطن الأيرلندي ورفاقه.
في المؤتمر الصحفي الذي عقدوه بعد عودتهم، وصفوا ما يجري بأنه «محاكمة صورية»، وناشدوا الحكومة الأيرلندية بإرسال مراقبين قانونيين مستقلين لضمان الحق في محاكمة عادلة. للمصادفة، تزامن تواجدهم في المحكمة مع محاكمة أخرى كشفت لهم مدى تحيز النظام؛ كيف يتساهل القضاء الألماني مع النازيين الجدد ويُغالون في التنكيل بمن يُدافعون عن الحياة في غزة. شهد الفريق على حضور بعض المتورطين في حادثة إطلاق نار على الشرطة - وإصابة اثنين - لقاعة المحكمة في موعد محاكمتهم بعد أن كانوا قد خرجوا بكفالة. بالمقابل، تدخل الفتيات والفتية - الرافضين لقتل الأطفال - مكبلي الأيدي، بعد أن قضوا فترة اعتقالهم في الحبس، يجبرون على الوقوف خلف الزجاج دون القدرة على التواصل المباشر مع فريقهم القانوني.
وكلما أرادوا التواصل معهم كان عليهم أن يلفتوا انتباه محاميهم، يصرخوا من بعيد، بينما يجلس النازيون الجدد جنباً إلى جنب من يدافعون عنهم وقد صوبوا بنادقهم، وتسببوا بإصابات، في هجوم مقصود. وبينما يُكفل أولئك، يوضع هؤلاء في الحبس الانفرادي 23 ساعة يومياً لمدة عشرة أشهر الآن، وحين يتسنى للعائلة والأصدقاء رؤيتهم أخيرا - وإن كان من خلف الزجاج المضاد للرصاص - يقف الحرس بينهم وبين إمكانية أن يضعوا أيديهم معا وإن من خلف الزجاج.
هذه المسرحية بغرابة لم تُشهد. لا كفالة، لا سجل للمحاكمة (لا تُسجل المحاكم الألمانية محاضر بما قيل، بل تُقدم ملخصاً عما حدث في الجلسة!)، ترجمة معيبة في قاعة المحكمة. حتى وفد البرلمانيين الإيرلنديين الذين حضروا نالوا حظهم من العبث. إذ صُدر منهم الورق والأقلام، حتى لا يتمكنوا من تسجيل شيء لا سمح الله.
يُحاكم الناشطون في قاعة المحكمة التي شهدت محاكمة فصيل الجيش الأحمر: المنظمة اليسارية المسلحة التي نشطت منذ السبعينات ولحوالي ثلاثين عاما في ألمانيا الغربية. اغتالت العشرات، سطت على البنوك، ورأت في النضال العنيف الحل الوحيد لتحقيق أجندتها. يُقصد من هذا الفعل بالطبع التهويل من التحركات اليسارية عندما تتجرأ على التوسل بما هو أكثر من مجرد الاحتجاج في الشوارع.
هذا العداء ضد كل مطالبة بوقف القتل، ضد كل تضامن مع الدم المسفوك، يُحير بكل المعاني الإنسانية والقانونية. هؤلاء الشباب يفعلون تماما ما تنص عليه القوانين الدولية: كبح الإبادة. يؤدون الواجب المفروض على كل دولة، كل صاحب قوة، كل قادر.
تتزامن كتابة هذا المقال مع خروج واحدة من أكبر الجنازات في تاريخ القضية الفلسطينية. تمكنت طواقم الإنقاذ من انتشال حوالي 112 شهيداً من عائلتي أبو شريعة والحساينة سقطوا في مجزرة حي الصبرة، يُشيعون اليوم بعد أن بقيت جثامينهم لعامين ونصف تحت الأنقاض. جثامين أخرى تحللت، أو تلاشت جراء شدة الانفجار. فيما تُحمى مصانع الأسلحة، ويُدافع عنها في المحاكم، ويُنكل بمن يتجرأ عليهم ولو بتحطيم شاشة حاسوب.